روايات وققص

اعمى

ورجل قال:

«أنا كنت مستني اللحظة دي.»

مروان اتوتر.

«لأ…»

سألته:

«مين؟»

قال بصوت منخفض:

«هو.»

«مين هو؟»

مروان ما ردش.

الرجل قرب.

ثم قال:

«أنا أبو كريم.»

اتجمدت.

«إيه؟»

سمعت سلمى تضحك.

وقالت:

«أهو… دلوقتي فهمت.»

«كريم ابني.»

رد الرجل:

«لأ يا أدهم.»

ثم قال جملة قلبت كل حاجة:

«كريم ابنك… بس مش ابن سلمى.»

سكت العالم كله.

مروان قال:

«أدهم، لازم تمشي دلوقتي.»

«ليه؟»

«لأن الشخص اللي قدامك هو السبب الحقيقي في الحادثة.»

الرجل ضحك.

«وأنا مش جاي أق/تلك.»

سكت لحظة.

ثم قال:

«أنا جاي أرجعلك نظرك.»

ليلى قربت مني وهمست:

«بابا… هو بيكدب.»

قلت:

«إزاي؟»

ردت:

«عشان الشخص اللي يقدر يرجعلك نظرك… مات من ست شهور.»

اتنفسّي اتقطع.

«مين؟»

ليلى قالت:

«أمي.»

وفي نفس اللحظة…

سمعت صوت صفارات الشرطة تقترب.

وسمعت سلمى بتقول:

«خلصنا.»

لكن مروان رد:

«لأ يا سلمى.»

ثم قال:

«دي لسه البداية.»

وفجأة…

كل حاجة حواليا بدأت تلف.

صوت بعيد.

أصوات أقدام.

صرخة كريم.

ثم ظلام أعمق من ظلام عيني.

وقبل ما أفقد الوعي، سمعت صوت ليلى عند ودني:

«لما تصحى… هتشوف.»

وبعدها…

اختفى كل شيء.أول حاجة حسيتها لما فتحت عيني…

كانت الشمس.

مش صوتها.

مش دفئها على وشي.

شوفتها.

فتحت عيني بسرعة، وقفلتهم تاني من شدة النور.

قلبي بدأ يدق بعنف.

رفعت إيدي قدام وشي.

وشفتها.

أصابعي.

كفي.

الخطوط الصغيرة في إيدي.

وقعت دموعي على طول.

همست:

«أنا… شايف.»

جالي صوت ممرضة من بعيد:

«اهدأ يا أستاذ أدهم.»

بصيت ناحيتها.

وشها كان أول وش أشوفه بعد ست شهور.

قلت:

«أنا فين؟»

«في المستشفى.»

بصيت حواليا.

أجهزة.

سرير.

باب أبيض.

وشباك داخل منه نور الصبح.

لكن قبل ما أفرح…

افتكرت كل حاجة.

ليلى.

كريم.

مروان.

وسلمى.

مسكت إيد الممرضة.

«ابني فين؟»

«مين؟»

«كريم! الطفل اللي كان معايا في الحديقة.»

الممرضة بصتلي باستغراب.

«مفيش طفل جه معاك هنا.»

قلبي وقع.

«وليلى؟»

«مين ليلى؟»

نزلت من السرير رغم الدوخة.

«لا… كانوا معايا.»

دخل دكتور بسرعة.

«أستاذ أدهم، لازم تفضل مكانك.»

قلت:

«فين ابني؟»

الدكتور بص للممرضة.

وبعدين قال:

«إنت متأكد إنك كنت شايف أطفال؟»

تجمدت.

«أنا كنت أعمى… ودلوقتي شايف.»

الدكتور قرب مني.

«عشان كده لازم نتكلم.»

«اتكلم.»

«العملية اللي عملناها لك من أسبوع نجحت.»

«عملية؟»

«أيوه.»

«مين دفع تكاليفها؟»

سكت.

ثم قال:

«سيدة.»

«اسمها؟»

تردد.

«سلمى الشناوي.»

اتجمدت.

«سلمى؟»

«أيوه.»

ضحكت بسخرية.

«هي عايزة ترجعلي نظري؟»

الدكتور قال:

«هي اللي جابت لنا ملفك الطبي القديم.»

«ملفي القديم؟»

«وكان فيه ملاحظة غريبة جدًا.»

«إيه؟»

فتح الملف.

وقال:

«إن إصابة عينيك لم تكن كاملة.»

«يعني؟»

«كان فيه ضغط على العصب البصري… لكنه كان قابلًا للعلاج.»

حسيت بقشعريرة.

«يعني أنا ماكنتش أعمى بشكل دائم؟»

«لأ.»

«طب ليه الدكاترة قالوا إن مفيش أمل؟»

الدكتور سكت.

ثم قال:

«لأن التقارير اللي وصلتنا وقتها كانت مختلفة.»

«مين غيّرها؟»

ما ردش.

لكن عينه راحت ناحية الباب.

اتلفت.

كان فيه رجل واقف.

مروان.

دخل وقفل الباب وراه.

قلت:

«إنت عارف.»

قال:

«عارف أكتر مما تتخيل.»

«فين سلمى؟»

«في الحجز.»

اتنفست براحة.

«وكريم؟»

مروان سكت.

«رد عليّا.»

قال:

«كريم بأمان.»

غمضت عيني لحظة.

«وليلى؟»

هنا تغيرت ملامحه.

«ليلى اختفت.»

فتحت عيني.

«إيه؟»

«بعد ما الشرطة وصلت للحديقة، ما لقيناش ليلى.»

«إزاي؟»

«كانت موجودة… وبعد دقايق اختفت.»

«وحسام؟»

«اتقبض عليه.»

«والراجل اللي قال إنه أبو كريم؟»

مروان سكت.

قلت:

«ماتقوليش إنه اختفى هو كمان.»

«لأ.»

«أمال؟»

قال:

«اتق/تل.»

الصمت نزل بينا.

«إمتى؟»

«بعد ما خرج من الحديقة بساعة.»

«مين قت/له؟»

«مش عارفين.»

قعدت على السرير.

«يبقى لسه فيه حد بيحرك كل ده.»

مروان قال:

«بالضبط.»

وبعدين حط ظرف بني على الترابيزة.

«ده اتساب ليك قبل العملية.»

«من مين؟»

«ليلى.»

فتحت الظرف بإيد بتترعش.

جواه صورة.

مسكتها.

وكانت أول صورة أشوفها بعد ما رجعلي نظري.

الصورة كانت ليا.

أنا وسلمى.

وكريم واقف بينا.

لكن ورا الصورة…

كان فيه تاريخ مكتوب.

قبل الحادثة بيوم واحد.

قلبت الصورة.

ولقيت جملة بخط طفولي:

“بابا، لو شفت الصورة دي، ماتصدقش سلمى.”

وتحتها…

اسم تاني.

اسم خلاني أقف من مكاني.

“ماما نادين.”

بصيت لمروان.

«مين نادين؟»

وشه اتغير.

«إنت شفت الاسم؟»

«أيوه.»

«نادين كانت…»

سكت.

«كانت إيه؟»

مروان بصلي مباشرة.

وقال:

«مراتك الأولى.»

اتجمدت.

«مراتي الأولى؟»

«أيوه.»

«أنا عمري ما اتجوزت غير سلمى.»

مروان قرب مني.

وقال:

«دي بالضبط الكذبة اللي سلمى خلتك تصدقها.»

ثم فتح تليفونه وشغل فيديو.

ظهر فيه أنا…

واقف قدام عربية.

جنب ست جميلة.

وفي إيدي طفل صغير.

والست كانت بتضحك.

ثم سمعت صوتي في الفيديو:

«نادين، أوعدك… محدش هيقدر ياخد ابني منك.»

الفيديو انتهى.

فضلت ساكت.

لأول مرة، رجوعي للنظر ما كانش نعمة.

كان لعنة.

لأن الحقيقة اللي كنت بدور عليها طول الست شهور…

طلعت أكبر بكتير من خيانتي لسلمى.

أنا ماكنتش متجوز سلمى من خمس سنين.

أنا كنت متجوز نادين.

وكان عندي ابن اسمه كريم.

والأخطر…

إن سلمى ما كانتش مراتي.

كانت المرأة اللي سرقت حياتي.

وفي اللحظة دي، جالي اتصال من رقم مجهول.

رديت.

سمعت صوت بنت صغيرة:

«أدهم؟»

قلت بسرعة:

«ليلى؟!»

ضحكت.

«عرفت مين سلمى؟»

«أيوه.»

«طب عرفت مين أنا؟»

سكت.

ثم قالت:

«أنا بنت نادين.»

وبعدها همست:

«وسلمى مش هي اللي قت/لت أمي.»

انقطع الخط.

وفي نفس الثانية…

وصلتني رسالة على الموبايل.

صورة جديدة.

الصورة كانت ليا وأنا صغير…

واقف جنب طفل تاني.

مروان.

لكن في الخلفية كان واقف رجل ثالث.

الرجل اللي في الصورة كان نفس الرجل اللي ادعى إنه أبو كريم.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“أخوك مروان مش أخوك الحقيقي.”فضلت باصص للصورة وأنا مش قادر أتكلم.

رجعت أبص لمروان.

هو كان واقف قدامي، وشه شاحب، وعينيه ثابتة على الموبايل.

قلت:

«مين الراجل ده؟»

ما ردش.

كررت:

«مروان… مين الراجل اللي واقف وراينا؟»

فضل ساكت.

قربت منه.

«إنت تعرفه.»

قال أخيرًا:

«أيوه.»

«مين؟»

اتنهد.

«اسمه فؤاد.»

الاسم وقع عليّا غريب.

«فؤاد مين؟»

«أبونا.»

ضحكت من الصدمة.

«أبونا؟»

«أيوه.»

«يعني إيه؟»

بصلي في عيني.

«يعني الراجل اللي في الصورة هو أبوك الحقيقي.»

اتجمدت.

«وأنت؟»

مروان سكت.

قلت:

«إنت مش أخويا؟»

هز رأسه ببطء.

«لأ.»

رجعت خطوة لورا.

«طب مين أنت؟»

قال:

«أنا ابن الراجل اللي ربّاك.»

«يعني إيه؟»

«أبوك اللي كنت فاكره أبوك… مش أبوك الحقيقي.»

حطيت إيدي على رأسي.

كل حاجة بدأت تتداخل.

«طب ليه اتربينا سوا؟»

«عشان فؤاد اختفى قبل ما تتولد.»

«اختفى ليه؟»

«كان بيهرب من ناس أخطر منه.»

«مين؟»

مروان بص ناحية الباب.

«نفس الناس اللي بتدور ورا ليلى.»

سكت لحظة.

ثم قال:

«ونادين كانت تعرف الحقيقة.»

اتنفست بصعوبة.

«يعني نادين كانت تعرف إن فؤاد أبويا؟»

«أيوه.»

«وعشان كده قت/لوها؟»

«مش هي السبب الوحيد.»

«أمال إيه؟»

مروان قرب مني.

وقال:

«نادين كانت ماسكة ملف.»

«ملف إيه؟»

«ملف يثبت إن شركة والدك اتبنت على أموال مسروقة.»

اتجمدت.

«أموال مسروقة من مين؟»

«من ناس كتير.»

«ومين كان بيدير العملية؟»

مروان سكت.

قلت:

«سلمى؟»

«لأ.»

«فؤاد؟»

«برضه لأ.»

سألته:

«أمال مين؟»

فتح الموبايل، ووراني صورة قديمة.

رجل كبير في السن.

بدلة سوداء.

واقف جنب فؤاد.

قلت:

«مين ده؟»

مروان قال:

«رجل الأعمال اللي اشترى أول شركة باسم والدك.»

«اسمه؟»

«جلال النجار.»

الاسم كان مألوفًا.

جلال النجار.

واحد من أكبر رجال الأعمال في نيويورك.

وأغرب حاجة…

إنه كان من أوائل المستثمرين في شركتي.

قلت:

«جلال كان شريكي؟»

«كان بيمثل إنه شريكك.»

«يعني إيه؟»

«يعني شركتك من البداية كانت تحت سيطرته.»

«وسلمى؟»

«كانت شغالة معاه.»

حسيت إن صدري ضاق.

«يبقى ليه سلمى حاولت تق/تلني؟»

مروان قال:

«لأنك بدأت تكتشف إن كل فلوس شركتك مش فلوسك.»

سكت.

«كانت فلوس أبوك.»

«أبويا؟»

«فؤاد.»

ثم أضاف:

«والمشكلة إن فؤاد ما ماتش.»

رفعت رأسي.

«إيه؟»

«هو عايش.»

سكت لحظة.

ثم قلت:

«فين؟»

مروان ما ردش.

وفجأة…

تليفوني رن.

رقم مجهول.

رديت.

صوت رجل كبير جاء من الناحية التانية:

«أدهم.»

اتجمدت.

الصوت كان هادي.

لكن فيه حاجة غريبة.

إحساس إني سمعته قبل كده.

قلت:

«مين؟»

قال:

«أبوك.»

نفسي اتقطع.

مروان قرب مني.

«ما تقفلش.»

قلت:

«لو إنت فؤاد… ليه سبتني كل السنين دي؟»

رد:

«لأني كنت بحميك.»

«من مين؟»

سكت.

ثم قال:

«من جلال.»

«وجلال عايز مني إيه؟»

قال:

«مش عايز منك حاجة.»

توقفت.

«أمال؟»

صوته بقى أكثر جدية:

«عايز ابنك.»

اتجمدت.

«كريم؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

قال:

«لأن كريم مش مجرد طفل.»

سكت.

ثم أضاف:

«هو الوريث الوحيد لحاجة جلال قضى عشرين سنة يدور عليها.»

«إيه الحاجة دي؟»

قبل ما يجاوب…

سمعت صوت باب الغرفة بيتفتح.

مروان لف بسرعة.

وشفت رجلين واقفين عند الباب.

واحد منهم قال:

«أستاذ أدهم… لازم تيجي معانا.»

قلت:

«مين أنتم؟»

طلع بطاقة.

كانت بطاقة شرطة.

لكن قبل ما أمد إيدي أخدها…

فؤاد صرخ من الهاتف:

«ما تروحش معاهم!»

الرجل ابتسم.

وقال:

«متقلقش يا أستاذ أدهم.»

ثم رفع عينيه ناحيتي.

«إحنا مش شرطة.»

مروان اندفع ناحيتهم.

وفي اللحظة نفسها…

انطفأت أنوار المستشفى.

رجع الظلام.

لكن المرة دي…

أنا كنت شايف.

وشفت حاجة ماكانش المفروض أشوفها.

الرجل اللي واقف عند الباب…

كان ماسك صورة ليلى.

وتحت الصورة مكتوب:

“الهدف التالي: كريم.”

وفي اللحظة دي فهمت إن المعركة الحقيقية بدأت.

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد:

إزاي أنقذ ابني… وأنا لسه مش عارف مين فيهم عدوي ومين فيهم بيحميني؟

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى