
اسمه ضرب حاجة جوا دماغي.
كريم.
الاسم اللي كنت بسمعه كل ليلة في أحلامي.
الاسم اللي كنت بصحى بسببه مفزوع.
لكن الدكاترة كانوا بيقولولي إن ده بسبب الصدمة.
قلت:
«أنا… أعرفك؟»
الطفل سكت.
وبعدين قال:
«إنت وعدتني إنك هترجعلي.»
شهقت.
«إمتى؟»
سمعت صوت سلمى من بعيد:
«كريم، ابعد عنه.»
الطفل شد على إيدي.
«لأ.»
سلمى صرخت:
«كريم!»
لأول مرة…
سمعت الخوف الحقيقي في صوتها.
قلت:
«سلمى… مين كريم؟»
ما ردتش.
كررت:
«مين كريم؟»
حسام قال بصوت منخفض:
«ابنك.»
ضحكت.
ضحكة خرجت مني من شدة الصدمة.
«ابني؟»
قلت:
«أنا معنديش ابن.»
ليلى قالت:
«عندك.»
«بس إزاي؟»
ردت:
«عشان سلمى كانت بتخبي عليك.»
سلمى قالت بسرعة:
«كفاية!»
لكن أنا انفجرت:
«كفاية إيه؟! أنا فقدت ست شهور من حياتي! فقدت نظري! عشت كل يوم وأنا مش عارف أنا مين ولا حصل لي إيه! ودلوقتي بتقوليلي عندي ابن؟!»
كريم قرب مني.
وقال بهدوء:
«أنا ابنك يا بابا.»
حطيت إيدي على وشه.
ولأول مرة…
حسيت إن فيه حاجة جوايا بتتكسر.
صوته…
لمسته…
حتى طريقة كلامه.
كل حاجة كانت مألوفة.
قلت:
«أنا كنت بشوفك قبل الحادثة؟»
قال:
«أيوه.»
«كنت بتعيش معايا؟»
«أيوه.»
«فين؟»
سكت.
ثم قال:
«في البيت الكبير.»
بيتّنا.
البيت اللي سلمى كانت بتقول إننا عايشين فيه لوحدنا.
قلت:
«ليه محدش قالي عليك؟»
كريم سكت.
وليلى قالت:
«عشان سلمى قالت للدكاترة إنك فقدت الذاكرة كمان.»
شهقت.
«أنا فقدت الذاكرة؟»
حسام قال:
«لأ.»
سألته:
«يعني إيه؟»
«إنت ما فقدتش ذاكرتك بالكامل.»
«أمال؟»
«سلمى كانت بتديك أدوية.»
سكت.
«أدوية لإيه؟»
«عشان تمنعك تفتكر.»
بدأت أرجع للخلف.
كل الصداع اللي كان بيجيلي.
كل النعاس.
كل الأيام اللي كنت بصحى فيها مش فاكر أنا حلمت بإيه.
كل مرة سلمى كانت تقول:
«دي أدوية الدكتور.»
قلت:
«فين الأدوية؟»
حسام رد:
«لسه في بيتك.»
«إنت متأكد؟»
«أنا شفتها.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«وفي حاجة تانية.»
«إيه؟»
«الجرعة اللي كانت بتديهالك مش مكتوبة في روشتة الدكتور.»
اتنفسّي اتقطع.
فجأة سمعت سلمى بتضحك.
ضحكة هادية.
غريبة.
وقالت:
«خلصتوا؟»
لفيت ناحيتها.
«إنتِ كنتِ بتخدريني؟»
قالت:
«كنت بحاول أحميك.»
«تحميني من إيه؟»
«من نفسك.»
«من نفسي؟!»
صرخت:
«إنتِ السبب في كل ده!»
ردت:
«لأ.»
ثم قالت:
«أنا السبب في إنك لسه عايش.»
سكت.
«إيه؟»
قالت:
«لو كنت عرفت الحقيقة ليلة الحادثة، كنت هتموت.»
«إيه الحقيقة؟»
صوتها بدأ يهتز.
«أخوك كان عايز يق/تلك.»
اتجمدت.
«أخويا؟»
«أيوه.»
ضحكت بسخرية.
«أنا معنديش أخ.»
سلمى سكتت.
ثم قالت:
«دي المشكلة.»
«إيه المشكلة؟»
«إنك فاكر إنك اتولدت في القاهرة… وإن أهلك الحقيقيين ماتوا من زمان.»
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
حسام قال:
«أدهم، لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.»
قلت:
«حقيقة إيه؟»
وفجأة…
سمعت صوت رسالة على تليفون سلمى.
هي سكتت.
ثم قال الرجل الغريب اللي كان واقف بعيد:
«وصلتني الرسالة.»
سلمى قالت:
«إيه؟»
رد:
«الشرطة جاية.»
حسام تنفس براحة.
لكن الرجل أضاف:
«بس المشكلة… إنهم مش جايين عشان سلمى.»
سألت:
«أمال جايين لمين؟»
رد:
«ليلى.»
اتجمدت.
ليلى نفسها ما قالتش حاجة.
ثم سمعت صوت سيارات بتقرب بسرعة.
سلمى قالت:
«لازم ناخد البنت ونمشي.»
وقفت قدامها.
«محدش هياخد ليلى.»
قالت:
«إنت مش فاهم.»
«لأ، أنا بدأت أفهم.»
ثم مددت إيدي ناحية ليلى.
«من النهاردة… أي حد عايز يوصل لها، لازم يعدي عليّا الأول.»
ليلى مسكت إيدي.
وفجأة قالت:
«أدهم…»
«نعم؟»
«أنا ما قلتلكش أهم حاجة.»
«إيه؟»
قربت مني وهمست:
«أنا مش بنت حسام.»
سكت.
«أمال بنت مين؟»
ردت:
«أنا بنت الراجل اللي عمل الحادثة.»
اتجمدت.
ثم أضافت:
«وأبويا الحقيقي… هو الشخص الوحيد اللي يقدر يرجعلك نظرك.»
في اللحظة دي…
سمعت باب عربية بيتفتح.
وصوت رجل نزل منه:
«وأنا جيت عشان أرجعهولك.»
وبمجرد ما سمعت صوته…
عرفته.
كان صوت أخويا.
أخويا اللي كنت فاكر إنه مات من عشر سنين.وقفت مكاني كأني اتحولت لحجر.
صوت أخويا…
مستحيل.
أنا فاكر يوم جنازته.
فاكر صوت أمي وهي بتعيط.
فاكر التراب وهو بينزل على التابوت.
وفاكر نفسي وأنا عندي سبعتاشر سنة، واقف بعيد ومش قادر أصدق إنه خلاص مشي.
قلت بصوت مرتعش:
«مروان؟»
الرجل رد:
«أيوه يا أدهم.»
رجلي خانتني.
وقعت على الدكة.
«إنت… عايش؟»
قال:
«عشت سنين طويلة بعيد عنك.»
«ليه؟»
سكت.
وبعدين قال:
«عشان لو رجعتلك، كانوا هيقت/لوك.»
سلمى صرخت:
«مروان، امشي من هنا!»
ضحك.
«لسه بتخافي مني يا سلمى؟»
«إنت السبب في كل اللي حصل!»
«لأ.»
صوته بقى أقوى.
«أنا السبب إني حاولت أنقذ أخويا.»
قلت:
«حد يفهمني!»
مروان قرب.
«قبل الحادثة بأسبوع، اكتشفت إن سلمى بتحول فلوس من حسابات الشركة لشركات وهمية.»
سلمى قالت:
«كدب.»
مروان كمل:
«وكانت بتبيع أسرار شركتك لمنافسين.»
حسيت بصدمة.
«إنت عرفت إزاي؟»
«لأني كنت بتابع حسابات الشركة من بعيد.»
«وليه ما جيتش وقولتلي؟»
صوته انخفض.
«لأني كنت خايف.»
«من مين؟»
«من الراجل اللي كان بيمول سلمى.»
سكت.
«مين؟»
مروان ما ردش.
بدل كده قال:
«ليلى.»
البنت قربت منه.
«أنا هنا.»
قال لها:
«قولي له.»
ليلى بصوت هادي:
«الراجل ده هو اللي قت/ل ماما.»
اتجمدت.
«مامتك؟»
هزت رأسها.
«ماما الحقيقية.»
نظرت ناحية سلمى.
«سلمى مش أمي.»
سلمى صرخت:
«كفاية!»
مروان قال:
«ليلى كانت شاهدة على كل حاجة.»
سألت:
«إيه اللي شافته؟»
«شافت الراجل وهو بيق/تل أمها.»
«ليه؟»
«عشان كانت هتبلغ عنه.»
ليلى بدأت تبكي لأول مرة.
«ماما كانت بتحاول تنقذك يا أدهم.»
«تنقذني من إيه؟»
«من سلمى.»
سلمى اندفعت ناحيتها.
لكن مروان وقف بينها وبين ليلى.
وقال:
«خلص الوقت يا سلمى.»
سلمى سكتت.
ثم قالت بصوت بارد:
«إنت فاكر إن معاك دليل؟»
مروان رد:
«مش فاكر.»
«أمال؟»
«أنا متأكد.»
ثم سحب هاتفه.
«كل حاجة اتسجلت.»
سلمى شهقت.
«إنت مجنون.»
«يمكن.»
ثم ضغط زر التشغيل.
وسمعت تسجيلًا.
كان صوت سلمى.
واضح جدًا.
«أنا مش هق/تله… أنا بس هخليه ما يعرفش الحقيقة.»
ثم جاء صوت رجل آخر:
«ولو فاق؟»
وردت سلمى:
«مش هيفوق. الدكتور ضمنلي ده.»
حسيت إن الدم انسحب من جسمي.
التسجيل كمل.
«وبعدين الشركة كلها هتبقى تحت سيطرتنا.»
ثم جاء صوت الرجل:
«والولد؟»
سكتت سلمى.
وبعدين قالت:
«كريم مش هيفضل مشكلة.»
صرخت:
«كريم!»
ابني قرب مني بسرعة.
مسكت إيده.
«إنت كويس؟»
قال:
«أيوه يا بابا.»
لكن صوت سلمى تغير فجأة.
«أدهم… اسمعني.»
قلت:
«مش عايز أسمع منك حاجة.»
قالت:
«لو مشيت مع مروان، كريم هيموت.»
سكت الجميع.
مروان قال:
«بلاش تهديدات.»
سلمى ضحكت.
«إنت مش فاهم.»
ثم سمعت صوت سيارة تانية بتقف.
باب اتفتح.




