روايات وققص

اعمى

وسلمى فجأة قالت:

«أدهم، لازم نمشي حالًا.»

قلت:

«مش هتحرك.»

سمعت صوت الرجل وهو بيقرب.

ثم جاء صوت عميق:

«مساء الخير يا أستاذ أدهم.»

اتجمدت.

الصوت كان مألوفًا.

مألوف بشكل مخيف.

حاولت أفتكر سمعته فين.

ثم فجأة…

افتكرت.

المستشفى.

من ست شهور.

كان نفس الصوت اللي سمعته قبل ما يدخل الدكتور ويقول لعيلتي إن العملية فشلت.

قلت:

«إنت…»

الرجل سكت.

«إنت مين؟»

سلمى قالت بسرعة:

«ما تسمعش كلامه.»

لفيت ناحية صوتها.

«إنتِ تعرفيه؟»

«لأ.»

ردت بسرعة.

لكن الرجل قال:

«هي تعرفني كويس.»

سلمى صرخت:

«اسكت!»

الصمت نزل مرة واحدة.

أما أنا…

فبدأت أفهم.

الحادثة.

فقدان النظر.

الدكاترة.

سلمى.

وليلى.

كل حاجة كانت مرتبطة ببعض.

قلت:

«عايزين مني إيه؟»

الرجل ما ردش.

بدل كده، سمعت ليلى وهي بتقرب من ودني.

وقالت:

«قولهم إنك فاكر.»

«فاكر إيه؟»

قالت:

«الحادثة.»

اتنفسّي اتقطع.

لأن في اللحظة دي…

حاجة غريبة حصلت.

لأول مرة من ست شهور، وأنا قاعد في الظلام…

شوفت حاجة.

مش صورة كاملة.

ولا وجه.

مجرد ومضة.

ضوء أبيض قوي.

صوت فرامل.

زجاج بيتكسر.

وصوت سلمى…

بتصرخ:

«خليه يموت!»

فتحت عيني بكل قوتي.

لكن الدنيا فضلت سوداء.

صرخت:

«سلمى!»

ردت بصوت مرتجف:

«نعم؟»

قلت:

«إنتِ كنتِ موجودة يوم الحادثة؟»

ما ردتش.

وكان صمتها…

أوضح من أي إجابة.

ليلى مسكت إيدي.

وقالت:

«أنا قلتلك… إنت مش أعمى بسبب الحادثة.»

ثم أضافت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

«إنت فقدت نظرك… لأن مراتك كانت عايزة تتأكد إنك مش هتشوف اللي حصل.»

وفجأة…

سمعت صوت سلمى وهي بتجري.

لكن المرة دي…

أنا ما حاولتش ألحقها.

لأني كنت بدأت أفتكر.

وأسوأ حاجة افتكرتها…

إن العربية اللي خبطتني ليلة الحادثة…

ماكانتش شاحنة نقل.

كانت عربية سلمى.فضلت واقف مكاني، مش قادر أتحرك.

صوت خطوات سلمى كان بيبعد بسرعة، لكن عقلي كان أسرع منها.

عربية سلمى.

الجملة فضلت بتتكرر جوا دماغي.

العربية اللي خبطتني ماكنتش شاحنة نقل… كانت عربيتها.

قلت بصوت مرتعش:

«ليلى… إنتِ متأكدة؟»

ردت:

«أنا شفتها.»

«شفتي إيه؟»

«ليلة الحادثة.»

اتنفست ببطء.

«إنتِ كنتِ هناك؟»

«أيوه.»

«إزاي؟»

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

«عشان بابا كان موجود.»

رفعت راسي ناحية صوتها.

«باباكي؟»

«أيوه.»

الرجل اللي كان واقف قريب منا اتكلم لأول مرة:

«أنا آسف يا أستاذ أدهم.»

صوته كان مليان ندم.

قلت بعصبية:

«آسف على إيه؟!»

«على إني ساعدت في اللي حصل.»

اتقدمت خطوة ناحيته.

«ساعدت مين؟»

«مراتك.»

ضحكت بسخرية.

«سلمى؟»

«أيوه.»

«هي عملت إيه؟»

الرجل سكت.

قلت بصوت أعلى:

«اتكلم!»

فقال:

«هي ما كانتش عايزة تق/تلك.»

سكت لحظة.

ثم أضاف:

«كانت عايزة تخليك أعمى.»

حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.

مسكت طرف الدكة.

«ليه؟»

«عشان كنت اكتشفت حاجة.»

«إيه الحاجة؟»

ما ردش.

ليلى قالت:

«الفلوس.»

الرجل قال بسرعة:

«ليلى!»

لكنها كملت:

«بابا كان فاكر إنك هتسيب الشركة ليها لو فقدت السيطرة عليها.»

قلت:

«أنا كنت متجوز سلمى من خمس سنين. كانت شريكتي في الشركة.»

«مش شريكتك.»

قال الرجل.

«كانت بتحاول تبقى صاحبة كل حاجة.»

حسيت ببرودة في إيدي.

فجأة افتكرت تفاصيل كنت دايمًا بعتبرها عادية.

توقيع سلمى على أوراق الشركة.

إصرارها إني أعمل لها توكيل.

أسئلتها الكتير عن حساباتي.

وآخر ليلة قبل الحادث…

لما قالتلي:

«لو حصل لك حاجة، أنا الوحيدة اللي هعرف أتصرف.»

وقتها ضحكت.

دلوقتي…

ما بقتش الجملة مضحكة.

قلت:

«إنت مين؟»

الرجل تنهد.

«اسمي حسام.»

«وحسام ده كان شغال مع سلمى؟»

«كنت السواق بتاعها.»

«والليلة دي؟»

«أنا اللي كنت سايق العربية.»

اتجمدت.

«إيه؟»

«سلمى كانت قاعدة جنبي.»

«يبقى هي كانت معايا في الحادث.»

«أيوه.»

«وإنت اللي خبطتني؟»

صوته اتكسر:

«أنا حاولت أوقف العربية.»

«حاولت؟!»

«بس هي كانت ماسكة الدركسيون.»

الصمت رجع تاني.

أنا حسيت إني مش قادر أتنفس.

«هي اللي كانت سايقة؟»

«أيوه.»

«وإنت؟»

«كنت بحاول أمنعها.»

«كداب.»

الكلمة خرجت مني من غير تفكير.

حسام سكت.

قلت:

«لو كنت بتحاول تمنعها، ليه ما قلتش الحقيقة من أول يوم؟»

قال:

«عشان بنتي.»

اتشد جسمي.

«ليلى؟»

«أيوه.»

ليلى مسكت إيدي.

حسام كمل:

«سلمى هددتني إنها هتأذيها لو فتحت بقي.»

بصوت مكسور، ليلى قالت:

«بس أنا ما خفتش منها.»

قلت:

«إنتِ عندك سبع سنين… إزاي ما خفتيش؟»

ردت:

«عشان أنا عارفة إنها مش أقوى مني.»

«إزاي؟»

سكتت.

وبعدين قالت:

«عشان أنا عندي الدليل.»

قلبي دق بعنف.

«دليل على إيه؟»

سمعت صوت شنطة صغيرة بتتفتح.

ثم قالت:

«ده.»

حطت حاجة في إيدي.

كانت صغيرة.

معدنية.

تحسستها بأصابعي.

«إيه ده؟»

«فلاشة.»

سألتها:

«فيها إيه؟»

قالت:

«فيديو.»

اتنفست ببطء.

«فيديو للحادثة؟»

«لأ.»

سكتت.

ثم قالت:

«فيديو لسلمى وهي بتتكلم مع الدكتور اللي قال إنك مش هتشوف تاني.»

اتجمدت.

«إنتِ سمعتيهم؟»

«أنا شفتهم.»

«فين؟»

«في المستشفى.»

حسام قال:

«ليلى كانت بتستخبى في عربية الإسعاف يومها.»

«إنتِ كنتِ في المستشفى؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

«عشان كنت بدور على بابا.»

صوتها تغير.

لأول مرة حسيت إنها مش طفلة بتتكلم.

كانت بتتكلم كأنها شايلة سر أكبر من سنها بكتير.

قلت:

«وأبوكي كان فين؟»

ما ردتش.

حسام هو اللي قال:

«أنا كنت في غرفة العمليات.»

«ليه؟»

سكت.

ثم قال:

«لأن سلمى حاولت تخلص مني بعد الحادث.»

قلبي توقف لحظة.

«إيه؟»

«كانت عايزة تمسح كل أثر.»

وفجأة…

سمعت صوت عربية بتقف قريب منا.

ليلى شدت إيدي.

«هي رجعت.»

«سلمى؟»

«أيوه.»

حسام قال بسرعة:

«لازم نمشي.»

قلت:

«مش ههرب.»

«أدهم، إنت مش فاهم. هي مش لوحدها.»

«مين معاها؟»

قبل ما يرد…

جاء صوت سلمى من خلفنا:

«أدهم.»

اتجمدت.

صوتها كان هادي جدًا.

أهدى من اللازم.

قالت:

«إنت كنت بتسأل عن الحقيقة؟»

ما رديتش.

سمعت خطواتها وهي بتقرب.

ثم قالت:

«أنا ممكن أقولك الحقيقة كلها.»

وقفت قدامي.

وبصوت خافت أضافت:

«بس الأول… لازم تسيب إيد البنت.»

ليلى ضغطت على إيدي.

وأنا لأول مرة…

اتأكدت إن سلمى مش خايفة من ليلى لأنها طفلة.

سلمى كانت خايفة من اللي ليلى تعرفه.

قلت:

«لو سيبت إيدها… هتقولي الحقيقة؟»

ردت:

«أيوه.»

«حتى لو الحقيقة هتدمر حياتنا؟»

ضحكت.

«حياتنا خلصت من زمان يا أدهم.»

ثم اقتربت مني أكثر.

وقالت جملة جعلتني أشعر أن الظلام حولي أصبح أهون من الحقيقة:

«بس في حاجة واحدة إنت لسه ما تعرفهاش.»

«إيه؟»

قالت:

«أنا ما حاولتش أخليك أعمى عشان آخد شركتك.»

سكتت لحظة.

ثم همست:

«أنا عملت كده… عشان إنت شفت حاجة في ليلة الحادثة.»

قلت:

«إيه اللي شفته؟»

ردت:

«ابننا.»

اتجمدت.

أنا وسلمى ماكانش عندنا أولاد.

أو…

ده اللي كنت فاكره.

وفي اللحظة نفسها، ليلى شهقت وقالت:

«هو عرف.»

سألتها:

«عرف إيه؟»

لكنها ما ردتش.

لأن صوت رجل غريب جاء من خلف الأشجار:

«أخيرًا يا أدهم… بدأت تفتكر.»

ثم سمعت طلقة باب عربية بتتقفل.

وبعدها مباشرة…

سمعت صوت طفل صغير بيقول:

«بابا؟»

نفس الصوت اللي كنت بسمعه في أحلامي من ست شهور.

الصوت اللي كنت فاكر إنه مجرد وهم بسبب الحادثة.

لكن المرة دي…

كان حقيقي.

وكان قريب مني جدًا.«بابا؟»

الصوت الصغير خلّى جسمي كله يتجمد.

ما قدرتش أتحرك.

ما قدرتش حتى أتنفس.

قلت بصوت مبحوح:

«مين؟»

ماحدش رد.

سمعت خطوات صغيرة بتقرب مني.

خطوة…

وبعدين خطوة…

لحد ما وقف الطفل قدامي.

ثم قال:

«إنت وحشتني.»

حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس.

مديت إيدي قدامي.

لمست شعره.

كان ناعم وقصير.

قلت:

«إنت مين؟»

الطفل مسك إيدي وحطها على وشه.

«أنا كريم.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى