
خرج محمود من المكتب مطأطئ الراس، وكل خطوة بتاعته كانت تقيلة، وسمعت صوت خطواته تبتعد لحد ما اختفت في ممر الشركة.
فضلت أنا والمدير لوحدنا، وهو ابتسم لي بكل دفء وشد على كتفي: — “أنتَ عملت الصح يا أحمد. الصدق بينتصر مهما طال الزمن، وقلبي معاك لأمك، ربنا يشفيها ويخليها ليك.”
شكرته وخرجت من الشركة، وشمس النهار طلعت وضحكت في وشي لأول مرة من الصبح. ركبت عربيتي، وبدأت أتحرك في الطريق للمستشفى، والدنيا عندي أحلى من كل حاجة. فتحت الشبابيك، ونسمات الهواء دخلت عليّ، وحسيت إن حمل تقيل جداً انشال من على كتفي.
في الطريق، اشتريت لأمي فاكهة وحاجات بتحبها، ولما وصلت الغرفة بتاعتها في المستشفى، كانت قاعدة على السرير وشكلها أحسن بكثير. لما شافتني، ابتسمت لي من كل قلبها: — “جيت يا روحي؟”
دخلت وقعدت جنبها، مسكت إيدها وبستها: — “أيوه جيت، وجبتلك اللي بتحبيه. الدكتور قالك إيه؟” — “قال إن الحمد لله الحالة مستقرة، وممكن نروح البيت بكرة إن شاء الله لو فضلت كويسة.”
فرحت كتير، وقعدت أحكي لها كلام خفيف ومضحك عشان تضحك، وما حكيتلهاش عن محمود ولا عن اللي حصل في الشغل عشان ما تقلقش، بس هي كانت أم، والأم بتشوف اللي في قلب ابنها حتى لو ما اتكلمش.
بعد شوية، سألتني بهدوء: — “يا أحمد في حاجة حصلت معاك النهارده، صح؟ حاجة في الشغل؟ عينيك بتقولي حاجة حصلت.”
تنهدت وقلت لها بكل صدق: — “أيوه يا أمي، حصلت حاجات كتير. اكتشفت إن اللي كنت فاكره صاحبي ما كانش صاحبي أبدًا، وإن الناس ممكن تظهرلك غير حقيقتها لحد ما تيجي الأزمة.”
مسكت إيدي بكل حنان، وقالتلي بصوتها الدافي اللي طالما كان دواء لروحي: — “يا حبيبي، ده مش خسارة، ده مكسب… لأنك عرفت الحقيقة مبكرًا قبل ما يكون الغلط أكبر. والصديق الحقيقي مش اللي بيمشي معاك في الرخاء، ده اللي بيقف جنبك في الشدة. واللي يبيعك في أول موقف ما يستاهلش حتى يكون يعرفك.”
كلامها دخل قلبي وريحني كتير. كانت كلمة بسيطة لكن فيها كل الحكمة. نمت جنبها شوية، وبعدين رجعت البيت أجهز الحاجات عشان نرجع بكرة.
بقيت الأيام تمشي، وأمي رجعت لصحتها بفضل الله، وكنت أروح وأجي الشغل، ومش بوصل حد معايا غير نفسي. رجعت فلوسي اللي كنت بدفعها على البنزين لغيري، وصرت أخصصها لبيتي ولأمي، وحسيت بالراحة النفسية اللي ما حسيتهاش من زمان. لما تخلص نفسك من الناس اللي بيستغلوك، حياتك بتبقى أحلى بكتير.
عرفت بعد فترة إن محمود رجع كل الفلوس اللي أخدها، واشتغل في مكان صغير بعيد، وسمعت إنه بيتعامل مع الناس بكل تواضع من ساعتها، وربما اللي حصل ده كان درس ليه زي ما كان درس لي. ومرة صدفته في الشارع، بص لي وبصيت له، وما كلمناش بعض، بس كنت حاسس إني سامحته؛ مش عشان هو يستاهل، بل عشان أنا مش عايز أحمل قلبي كره لأحد… الحياة أقصر من كده.
وفي يوم من الأيام، وأنا خارج من بيتي، لقيت زميلة لي في الشغل ساكنة في نفس الحي، واقفة بتستنى مواصلات ومش لاقية. فكرت شوية، وبعدين وقفت قدامها ونزلت الشباك: — “تعالي أوصلك، الطريق واحد تقريبًا.”
ركبت معايا، وشكرتني كتير، وقالت لي: — “كل يوم بشوفك رايح لوحدك، وما شاء الله قلبك طيب.”
وصلتها، ولما نزلت حاولت تعطيني فلوس، رفضت بكل ابتسامة: — “لا والله، اللي بينا خير، بس إن شاء الله لو حبيتي تفتكري، ادعيلي لأمي بالصحة.”
وهنا عرفت إن الخير ما بيموتش، وإن المعروف لازم يروح للي يستاهله. مش كل حد بيتعامل معاك بنفس الطريقة، بس ده ما يمنعش إنك تفضل أنتَ الطيب، أنتَ الأمين، أنتَ اللي لما تيجي الأزمة تكون جنب أهلك وأصحابك الحقيقيين.




