Uncategorizedروايات وققص

انا وصاحبي

دخلنا، وقعدنا قدامه، والمكتب كان هادي إلا من صوت المروحة الخفيف. المدير قعد ورا مكتبه، وبص علينا الاتنين، وبعدين بدأ الكلام بهدوء حازم: — “أنا جمعتكم عشان نسمع القصة من الأول للآخر. محمود بعتلي بلاغ يقول إنك يا أحمد بتستخدم مركبات الشركة وتقوم بمشاوير شخصية تؤثر على العمل، وإنك بتتأخر بسببها. يا أحمد، إجابتك إيه؟”

شديت ورقة من على مكتبه، اللي كانت عبارة عن بلاغ محمود، وقريت كلمات منها بصوت عالي: — “يستخدم العربية في توصيل أشخاص، ويغادر المكان مبكرًا ويصل متأخرًا… الكلام ده كله غير صحيح يا سيدي. العربية اللي أنا أتنقل فيها مسجلة باسمي الشخصي، وليست ملك الشركة. عندي أوراق التسجيل ورخصة السيارة وكل حاجة تثبت كلامي. وكل يوم بحضر قبل بدء العمل، وما غادرت إلا بعد ما أخلص مهامي. وكل ما كنت أوصل محمود معايا، ده كان معروف من عندي، ولا علاقة للشركة به خالص.”

بص المدير لمحمود: — “إيه ردك على كلامه؟”

محمود تململ في مكانه، وبدا عليه الارتباك لأول مرة: — “أنا… أنا شفته بيركب عربية كتير الأيام دي، وكنت فاكرها بتاعة الشركة. وهو اللي كان بيوصلني، فكنت فاكر إن ده جزء من مهامه.” — “جزء من مهامي؟” رديت عليه بسرعة: “مهامي محددة في العقد يا محمود، وما فيهاش توصيل الموظفين لبيوتهم. وأنتَ عارف كويس إن العربية بتاعتي، كنت بشتكي لك من قسطها كل شهر، وكنت تقول لي الله يعينك وتكمل كلامك من غير ما تهمك.”

المدير سكت شوية، وبعدين سأل سؤال غير مجرى الحكاية بالكامل: — “طيب يا محمود، بما إنك معتمد عليه في التنقل كل يوم، وده استمر فترة طويلة… سؤال بسيط: كم تدفع له شهريًا مقابل المواصلات؟”

محمود تجمد مكانه، واتلون وشه، وبدا يلعب في أصابعه: — “إحنا كنا أصحاب، والعلاقة بينا كانت كويسة، فما كناش نحسب حساب الفلوس… هو كان بيتطوع.” — “يتطوع؟” قلت وأنا بص في عينيه: “أنا قلت لك مرة قبل كده إن البنزين غلي، وقلت لي الله يخليك يا أحمد، شوية وتعدي. ومرة العربية كانت محتاجة صيانة وقلتلك، قلت لي أعرف حد يعملها بسعر رخيص وما جبتش سيرتها تاني. وأنتَ عارف إن راتبي مش كبير، وقسط العربية بياخد نصه، ومع ذلك ما طلبت منك قرش. والنهارده كل ردك عليّ إنك تشتكيني بالباطل؟”

المدير سجل الكلام في دفتره، وبعدين رفع راسه وبص لمحمود بتركيز: — “طيب يا محمود، حاجة تانية… أنا راجعت ملفاتك الشخصية اللي في الموارد البشرية.”

وهنا جاء الدور اللي محدش توقعه.

— “في استمارة التعيين بتاعتك، وضعت عنوان السكن في منطقة مصر الجديدة، بينما أنا عارف إنك ساكن في حي شعبي بعيد تمامًا عن هناك، وكل الناس اللي بتعرفك تعرف مكان سكنك الحقيقي. والأهم من ده كله…” سكت شوية عشان الكلام يأثر، وبعدين أكمل بصوت رسمي قوي: “…الشركة بتقدم ميزة بدل سكن وبدل مواصلات للموظفين اللي عنوان إقامتهم بعيد عن مقر العمل. وانتَ بتاخد الميزة دي شهريًا من يوم ما تعينت، بناءً على العنوان غير الصحيح اللي سجلته. والمواصلات اللي بتقول إنك بتعاني منها؟ أنتَ كنت بتوفرها بالكامل على حساب أحمد، وفي نفس الوقت بتاخد الفلوس دي من الشركة كأنك بتتكبدها كل شهر لوحدك.”

الغرفة سكتت بالكامل. محمود ما قدرش يرفع عينيه لينا، ولون وشه صار أصفر كالورق. أنا كنت مفتوح الفم من الصدمة، ما كنتش أعرف الحكاية دي أبدًا. كنت فاكره بس ناكر جميل، لكن اكتشفت إنه كان بيكذب ويأخذ أموال الشركة بغير حق كل شهر بجانب ده.

المدير أكمل: — “المبلغ اللي أخدته بالطريقة دي طوال الفترة دي يقدر بآلاف الجنيهات. ده تزوير بيانات واستيلاء على أموال الشركة بطرق غير مشروعة. وأنتَ يا محمود، حاولت تغطي على غلطتك وتقدم بلاغ كاذب عشان تخلي أحمد يتنحى ويبقى محدش يكشفك.”

محمود قام من مكانه بسرعة، وإيده بترعش: — “يا سيدي، الموضوع مش زي ما بتقول… العنوان كان خطأ في الكتابة، وما كنتش أقصد، وأنا كنت ناوي أرجع الفلوس…” — “خطأ؟” قال المدير بصرامة: “الخطأ بيحصل في حاجة واحدة، مش في كل حاجة. وأنتَ كنت بتجيب إثباتات وعناوين غير صحيحة عشان تثبت البيانات دي. والآن، لما أحمد طلب منك معروف واحد في المقابل؛ إنه يسيبك يوم واحد عشان يكون جنب أمه المريضة، قررت تضره بدل ما تشكره.”

الكلام كان تقيل على القلب. أنا كنت حاسس بدموعي بتتجمع تاني، بس مش من الحزن، من الصدمة والغربة في الناس.

— “القرار بتاع الشركة واضح،” أكمل أستاذ شريف وهو يوقع على ورقة قدامه: “أولًا: البلاغ اللي قدمته يا محمود ضد أحمد مرفوض تمامًا، وثبت إنه كذب وافتراء. ثانيًا: بخصوص بياناتك غير الصحيحة وأموال الشركة اللي استلمتها بغير وجه حق، الملف هيتحول للإدارة القانونية، وهتُطلب منك إرجاع كل المبالغ اللي أخدتها بالإضافة لاتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية ضدك. وثالثًا: أنتَ مفصول من العمل اعتبارًا من اللحظة دي.”

محمود وقف مصدوم، واتكأ على حافة المكتب عشان ما يقعش، وبص لي نظرة فيها خيبة وندم وذل كلها مع بعض: — “يا أحمد أرجوك كلمُه… أنا غلطت، بس ما تخلّيش يحصلي كده، أنا عندي عيال ومصاريف…”

بصيت له بكل هدوء، وقلت له كلمة خرجت من أعماق قلبي: — “أنا حاولت أكون صديقك بكل ما أملك، ساعدتك من غير ما أطلب منك مقابل. وفي يوم أزمتك، يوم ما أمي كانت تعبانة جدًا، طلبت منك كلمة طيبة أو حتى تفهم وضعي، ولقيتك أول واحد يضرني. أنتَ اللي اخترت الطريق ده يا محمود، مش أنا اللي دفعتك له.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى