Uncategorizedروايات وققص

انا وصاحبي

كنت واقف في ممر المستشفى، وريحة المطهرات بتملّ أنفي، والكلام اللي قاله لي المدير طنّ في ودني كأنه صوت صدمة غير متوقعة. عربية الشركة؟ أنا بستغلّ وقت العمل؟ هو اللي ركّب معايا كل يوم سنة كاملة، والفلوس والوقت والجهد عليّ أنا، وفي الآخر بيقول عليّ إني أنا الغلطان؟

قلت لأستاذ شريف بصوت خرج مني مجروح ومحاول أكون واثق: — “يا سيدي، عايزك تسمعني كويس. العربية اللي أنا راكبها مش بتاعة الشركة أبدًا. دي عربيتي الخاصة، دفعت تمنها تعب وشقى وقرض لسه بدفعه لحد النهارده. ومحمود ما دفعلي ولا قرش واحد طوال السنة دي، ولا حتى كلمة شكرًا قالها لي بكل راحة ضمير.”

سكت شوية، وكأنه بيقارن بين الكلام اللي وصله وبين اللي عايشه هو بنفسه في الشغل، وبعدين قال بصوت هادي: — “أنا عارف يا أحمد إنك شاطر وأمين من يوم ما جيت الشغل، وده اللي خلاني أتصل بك قبل ما أتخذ إجراء. لكن محمود بعتلي الرسالة دي ووصفها بتفصيل، وقال إنك بتعطل وتتأخر بسبب المشاوير الشخصية، وإن ده بيأثر على سير العمل.”

ضحكت من قلبي، ضحكة مليانة مرارة، وقلت: — “بيأثر على سير العمل؟ يا سيدي، أنا من أول يوم في الشغل لحد دلوقتي ما تأخرت ولا دقيقة. باجي قبل الموعد بنص ساعة غالبًا، وكل التقارير والمهام بتاعتي خلصانة قبل الميعاد. اسأل أي حد في القسم. ده حتى هو نفسه، محمود، كان بيتأخر لو أنا مش جيت، وكنت بدافع عنه قدامك وأقول لك إنه في الطريق عشان ما يحصلوش مشكلة!”

المدير سكت مرة تانية، وبعدين قال: — “أنا مش عايز أحكم بسرعة. عندي اجتماع بعد ساعة، وبعدين نجمعكم الاتنين ونسمع الكلام من الاتنين. لكن حطّ في بالك إن الرسالة وصلتني، ومسجلة، والموضوع رسمي دلوقتي.” — “تمام يا سيدي. أنا جاي، ولازم أعرفه إني مش ساكت على الظلم.”

قفلت المكالمة، ورجعت بصيت لباب الغرفة اللي أمي جواها. البرد في عظامي مش برد الجسم، ده برد القلب من اللي شفته وسمعته من إنسان كنت حسبته أقرب من الأخ. كنت فاكر الصداقة معنى، وإن العشرة بتعمل رابط، لكن اكتشفت إن ناس بتعيش معاك سنين وما تعرفش حقيقتهم غير لما تيجي الأزمة.

بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج من الغرفة، وركضت عليه فورًا: — “طمنني يا دكتور، أمي كويسة؟”

ابتسم الدكتور وشدّ على كتفي: — “الحمد لله، النبض والضغط استقرّوا. كان تعب شديد وإرهاق عصبي وقلق، ومحتاجة راحة وتغذية كويسة ومش هتتحمل أي ضغط نفسي الفترة الجاية. حطينا محلول وهتبقى كويسة إن شاء الله، بس لازم تتابع معاها وتخليها في هدوء تام.”

الدمعة اللي كانت محبوسة في عيني نزلت من غير ما أشعر بيها، وحمدت ربنا من كل قلبي. أهم حاجة إنها بخير، الباقي يهون… شغلي، كلام محمود، كل حاجة تهون طالما أمي سالمة.

دخلت شوية عندها، مسكت إيدها الدافية، وقبلتها على راسها: — “حمدًا لله على السلامة يا ست الكل.” ابتسمت لي بتعب: — “قلتلك إني كويسة يا ابني، بس أنت عينيك حمراء، في حاجة حصلت في الشغل؟”

هزيت راسي وأنا بحاول أبتسم: — “لا والله ما حصلش حاجة، بس تعبان شوية من السهر. ارتاحي أنتِ، وأنا هروح الشغل عشان أخلص أمور وأرجعلك بسرعة.”

قلت لها كده عشان ما تقلقش، وخرجت وأنا في طريقي للشغل، وقلبي تقيل. الطريق من المستشفى للشركة كان طويل، وكل خطوة كنت براجع في دماغي كل حاجة حصلت بيني وبين محمود من أول يوم. كنت بشوف نفسي وأنا بستناه تحت بيته في المطر، وأنا بدفع بنزين، وأنا بستحمل عصبيته، وكل ده ببلاش… وفي الآخر جزاؤه إنه يتهمني بالباطل؟

وصلت الشركة قبل الاجتماع بدقايق، ولقيت محمود واقف بره جنب مكتب المدير، وإيده في جيبه، ووشه طبيعي كأنه ما عملش حاجة. لما شافني، حاول يمر من جنبي وكأنه مش شايفني، بس أنا وقفته بكل هدوء: — “محمود، ممكن كلمة؟”

وقف ودار لي بوشه، وعينه مالت على الأرض شوية، وبعدين رفعها بكل غرور:
— “إيه؟ جيت تعتذر؟ أنا قلتلك من الأول إنك غلطان.”
— “أنا غلطان؟” قلت له بصوت هادي مليان غضب مكبوت: “أنا غلطان إني ساعدتك سنة كاملة من غير مقابل؟ أنا غلطان إني معنديش قلب أسيب أمي وهي مريضة عشان أركبك؟ ولا أنا غلطان إني صدقتك وقلتلك صاحبي؟ وبعد كل ده تروح تقول عليّ كلام كذب وتحاول تخليني أخسر شغلي؟”

رفع حاجبه:
— “أنا ما قلت غير الحقيقة. إنت بتعطلني، والعربية بتاعة الشركة بتستخدمها في مشاوير شخصية. ده غلط.”
— “العربية بتاعتي يا محمود! بتاعتي! دفعت تمنها من عرق جبيني! وأنتَ ركبتها كل يوم ببلاش وما شكرتني حتى مرة!” كلامي طلع أسرع من دماغي، وكنت حاسس إني بوضح كل حاجة.

في اللحظة دي، باب مكتب المدير فُتح، وطلّ علينا أستاذ شريف:
— “اتفضلوا جوا، الاتنين معايا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى