
– ولا حاجة.. النهاردة إنت هتنظف كل الأكل اللي وقع على الأرض ده بإيدك.. حتة حتة.. ومن غير ولا كلمة اعتراض. وبكرة الصبح، لما تصحى الساعة خمسة زي ما كنت بتقول.. مش هتلاقي فطار مستنيك، هتلاقي ورقة محترمة مجهزاها لك فيها شروط استمرارك معايا في الشقة دي، والشروط دي هتتنفذ بالحرف، لو خالفت حرف واحد.. مش هكتفي بإنك تطلع برا بيتي، ده أنا هخليك تلف حوالين نفسك في المحاكم والديون لحد ما تتمنى الأرض تنشق وتبلعك.
بص للسيراميك المليان أكل ومناظر الأطباق المكسورة، وبعدين بصلي.. وشاف في عيوني جبل من الإصرار والقوة ميتزحزحش بكلمتين تملق رخيص. حس إن كل أحلامه في السيطرة والتحكم بقت حطام زي الأطباق دي بالضبط.
نزل على روحه ببطء، وبدأ بإيد مرتعشة يلم إزاز الأطباق ، ووجهه ملوش أي ملامح غير الصدمة والذل.. وأنا وقفت مكاني مكتوفة الإيدين، بتفرج عليه ببرود، وأنا بكرر في سرّي: دي لسه البداية يا أحمد.. والجاية أقسى بكتير.
مرت الساعات الأولى من الليل بطيئة وثقيلة كأنها دهور. أحمد خلص تنظيف المطبخ وهو صامت تماماً، مفيش صوت بيطلع منه غير أنفاسه المتقطعة اللي كانت بتتردد في أرجاء الشقة الواسعة. خلص شغله ووقف في نص المطبخ زي العيل الصغير اللي استخبى من عقاب أهله، عيونه في الأرض ومش دايس على طرف.
بصيتله نظرة أخيرة وأنا ماشية خارجة من المطبخ على الصالة، وقلت بنبرة هادية بس زي السيف:
– الأوضة اللي جوه على الشمال.. دي بتاعتك من الليلة دي، وأوضتي أنا ممنوع تقرب منها، ولما تحب تخرج أو تدخل، اعدل لسانك واعرف بتكلم مين. تصبح على خير يا جوزي العزيز.
سبته واقف مكانه، ودخلت وقفلت الباب بالمفتاح من جوه. رميت نفسي على السرير الواسع، وبصيت للسقف.. مكنش فيه أي دمعة ندم على الجوازة دي، بالعكس.. كنت حاسة بنشوة النصر المبكر. تلات أيام بس كانوا كفاية عشان يثبتوا لي إن الست اللي تبني نفسها بنفسها وتعتمد على عقلها وخبرتها، مفيش مخلوق يقدر يكسرها أو يقلل منها.
بس وأنا مغمضة عيني، كنت عارفة كويس إن أحمد مش هياخد الموضوع ببساطة كده. الراجل اللي متعود على سيطرة واهمة، مستحيل يستسلم بالسهولة دي، وإن اللي جاي مش مجرد في البيت.. دي حرب كرامة واستمرار، وهتحتاج مني ذكاء ودهاء أكبر بكتير من مجرد رد فعل عصبي.
فتحت عيني تاني في الظلمة، وابتسمت بشرود وأنا بفكر في بكرة الصبح، والورقة اللي هكتبها له، والشروط اللي هتخليه يعرف فعلاً مين اللي بيحرك الخيوط في اللعبة دي. دي كانت حلمي اللي اشتريته بعرق جبيني، ومحدش هياخد مكاني فيها أبداً.




