
اللحظة دي الحمام بقى ساكن تمامًا. صوت نقط المية اللي بتنزل من الحنفية كان يرن في ودني زي ضربات طبلة، وإيديا اللي ماسكة جسم آدم الصغير كانت بتترعش لدرجة إني خفت يقع مني في المية.
ندى كانت واقفة عند الباب، سندت ضهرها على الحيطة كأن حيلها اتهد. وشها كان أبيض زي الفرخة ، وعينيها رايحة جاية بين ضهر آدم، وبين اللزقة اللي وقفت تحت رجلي، وبين عيني اللي مليانة أسئلة وصدمة ومش قادرة تصدق.
“طنط…”
صوتها طلع مبحوح، ضعيف جدًا، زي ما تكون بتتطلع من تحت الأرض.
“أنا… أنا أقدر أشرحلك…”
مسكت نفسي بالعافية، وحضنت آدم بالفوطة بسرعة وغطيته. الواد كان لسة بيضحك ومبسوط بالمية، ومش فاهم إن العاصفة اللي حوليه دي بسببه. رفعت عيني فيها وقلت بصوت واطي ومخنوع، خايفة أحمد يسمعنا في الصالة:
“تشرحيلي إيه يا ندى؟ تشرحيلي إيه؟ الوحمة دي… الوحمة دي أنا عارفاها كويس أوي. دي مش وحمة عادية، ولا شكل عشوائي! دي رسمة ربنا خلقها في ضهر…”
قطعت كلامي وبلعت ريقي بصعوبة. مش قادرة أنطق الاسم. مش قادرة أقول إن الوحمة دي كانت في ضهر “ماجد”… طليق ندى الأولاني، الشاب اللي كانت متجوزاه قبل أحمد منه بعد مشاكل كبيرة وقضايا كشفت إنه بني آدم مريض وشكاك !
ندى دخلت الحمام بسرعة، وقفلت الباب وراها بالمفتاح بالراحة عشان ما تعملش صوت. وقفت قدامي وركبها بتخبط في بعضها، ودموعها نزلت مرة واحدة، دموع صامتة مالية وشها.
“والنبي يا طنط اسمعيني…” وشتوشت وهي بتحط إيدها على بؤها عشان صوت عياطها ما يعلاش. “والله العظيم أحمد هو باباه! والله ما حد لمسني غير أحمد! اقسم بالله العظيم ابن أحمد!”
أنا كنت حاسة إن دماغي بتلف. الأفكار كانت بتخبط في بعضها زي موج البحر العالي.
“أومال الوحمة دي جت منين يا ندى؟” سألتها وأنا بحاول أجمع انفاسي، وإيدي بتطبطب على ضهر آدم المحطوط في الفوطة. “الوحمة دي بالظبط… بنفس الشكل… في نفس المكان بين الكتفين! دي مش صدفة! أنا شفت الوحمة دي زمان لما أحمد وراني صورته لما كنتوا بتتخانقوا في المحاكم وتكتبوا محاطر! إزاي الواد يطلع فيه نفس وحمة ماجد؟ إزاي؟!”
ندى قعدت على طرف البانيو، وحطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بحرقة، جسمها كله كان بيهتز.
“الوحمة دي…” رفعت وشها بصعوبة وقالت: “الوحمة دي كابوس… كابوس ملاحقني من اليوم اللي طلعت فيه من بيت البني آدم ده!”
“أنا مش فاهمة حاجة!” قلت لها وأنا حاسة إن قلبي هيقف من التوتر. “احكيلي بسرعة قبل ما أحمد يحس بغيابنا! الواد سقع في الفوطة!”
ندى قامت بسرعة، أخدت آدم من إيدي بهدوء، وحطته على الفراش الصغير اللي كانت جايباه معاها، وبدأت تنشفه وتنشف ضهره وإيدها بتترعش، وجابت لزقة طبية جديدة من شنطتها وحطتها بسرعة ومباشرة على الوحمة، كأنها بتداري جث\ة مش عايزة حد يشوفها!
“أنا لما اتطلقت من ماجد…” بدأت ندى تتكلم بصوت خفيض وحشرجة في أوزان كلامها: “كنت ميتة من الخوف. الشهور الأخيرانية معاه كانت جحيم. كان بيضربني، ويشك فيا، ويقولي كلام يوجع القلب. ولما رفعت قض\ية الخلع وخلعته، هددني… قالي إن عمري ما هفرح، وإن ذكراه هتفضل مطارداني في كل حزة وفي كل مكان، حتى لو اتجوزت غيره.”
أنا فضلت واقفة أسمعها، مش قادرة أحدد هل كلامها ده تهيؤات ولا إيه، وسألتها:
“طب وده علاقته إيه باللي في ضهر آدم؟ الوحمة دي جينات! جينات يا ندى! مش كلام وتهديد!”
مسحت ندى دموعها بأطراف صوابعها وقالت:
“عارفة… عارفة إنها جينات، بس اسمعيني للأخر. أنا لما كشفت وعرفت إني حامل في آدم، كنت طايرة من الفرحة إن ربنا عوضني بأحمد. أحمد اللي شالني من الهم وعاملني زي الملكة. بس في الشهر الرابع من الحمل… وأنا ماشية في الشارع عند بيت بابا… شفت ماجد!”
جسمي قشعر. “شفتيه؟ ده مش مفروض متغرب وبرا البلد؟”
“كان نازل إجازة غريبة أسبوع واحد بس…” كملت ندى وصوتها بينزل وبيبقى زي الهمس: “وقفني في الشارع بالعافية. كنت مرعوبة، وجريت منه، بس هو مسك إيدي وقالي كلام زي السم… قالي: (فاكرة إنك هربتي مني؟ أنا في دمك.. وأنا جواكي.. ومش هتتخلصي مني عمرك). أنا من كتر الخوف والصرع، أغمى عليا في الشارع، والناس طلبتلي الإسعاف. لما فقت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن ضغطي نزل للسماء، وإن الحركة دي عملتلي صدمة نفسية وجسدية شديدة وأنا حامل.”
قعدت جنبها على الكنبة الصغيرة اللي في الحمام، وأنا حاسة إن الرؤية مش واضحة قدامي.
“وبعدين؟” سألتها.
“بعد اليوم ده…” كملت ندى وهي بتهز رأسها يمين وشمال بألم: “أنا بقيت كل ليلة أحلم بيه. كوابيس ما بتخلصش. بشوف وش الوحمة دي بالذات في كل حلم، عشان هو كان دايما بيتباهى بيها ويقولي دي علامة العيلة! بقيت أصحى مرعوبة، حاطة إيدي على بطني وأدعي ربنا إن الحمل يكمل على خير. ولما اتولد آدم…”




