
كان طارق يطأطئ رأسه، يتردد للحظات قبل أن يقول بصوت خافت:
— “أمي… يكفي، أليس كذلك؟”
ابتسمت فوزية باستخفاف وقالت:
— “زوجتك تعشق المبالغة وصنع الدراما.”
من دون أن تنطق بكلمة، أخرجت رانية هاتفها.
— «استخدمتِ حفيدتي طُعماً؟! من أجل ماذا؟»
ردت وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
— «من أجل كرامة العائلة!»
هز رأسه بقوة وقال:
— «لا… بل فعلتِ ذلك لأنك لا تحتملين أن يرفض أحدٌ تعتبرينه أقل منكِ الانحناء لإرادتك.»
نظرت فوزية حولها تبحث عن أي وجه يؤيدها.
لكن رشا ودينا أشاحتا بوجهيهما عنها.
وكان طارق يبكي في صمت.
أما بقية أفراد العائلة، فتجنبوا حتى النظر إليها.
ورغم كل ما انكشف، لم تشعر رانية بأي انتصار.
كل ما شعرت به كان حزناً ثقيلاً… ذلك الحزن الذي يرافق الإنسان عندما يكتشف أن أسوأ مخاوفه كانت صحيحة منذ البداية.
تقدمت بخطوات هادئة نحو الطاولة.
ثم نزعت خاتم زواجها من إصبعها، ووضعته فوق سطحها برفق، وكأنها تطوي آخر صفحة من حياة لم يعد لها مكان.
نظرت رانية إلى الجميع للحظات، ثم قالت بصوت هادئ لا يخلو من الحسم:
— «ستتولى المحامية اليوم رفع دعوى الطلاق، وسأتخذ كل الإجراءات القانونية والأمنية اللازمة لحماية ابنتي.»
وما إن أنهت كلماتها حتى اندفع طارق نحوها، وارتمى عند قدميها وهو يبكي:
— «أرجوكِ… لا تحرميني من ابنتي!»
نظرت إليه بعينين خاليتين من أي تردد، وقالت:
— «أنت من ساعد والدتك أولاً في محاولة حرماني منها.»
رفع رأسه وهو ينتحب:
— «أستطيع أن أتغير… أقسم لكِ.»
هزت رأسها بهدوء، ثم أجابت:
— «ربما… لكنني لن أجعل ابنتي حقل تجارب لأكتشف إن كنت ستصبح رجلاً يوماً ما.»
ساد الصمت في أرجاء الصالون.
عندها تقدم عاصم خطوة إلى الأمام، ونظر إلى زوجته نظرة حاسمة لم تعهدها من قبل، ثم أعلن أمام أفراد العائلة جميعاً:
— «اعتباراً من اليوم، تُجرد فوزية من إدارة المؤسسة الخيرية التابعة للعائلة، وتُسحب منها جميع الصلاحيات المتعلقة بالحسابات البنكية والعقارات الخاصة بالشركة.»
تجمدت فوزية في مكانها.
ثم تابع عاصم بصوت ثابت:
— «وليس هذا لأنكِ سببتِ لنا أمام الناس… بل لأن من يحمل كل هذا إلى درجة التفكير في إيذاء رضيعة، لا يمكن الوثوق به لإدارة أموال خُصصت لرعاية النساء والأطفال.»
صرخت فوزية وهي تنظر إلى الوجوه المحيطة بها:
— «أنتم جميعاً »
لكن اللواء طاهر رد عليها بكل هدوء، وبالثقة نفسها التي اكتسبها خلال سنوات خدمته العسكرية:
من دون أن تلتفت إلى الوراء.
وفي النهاية، لم يكن طوق الكلب هو ما دمّر تلك العائلة.
بل الحقيقة التي انكشفت أمام الجميع.
حقيقة أنهم ضحكوا بينما كانت أم ورضيعتها تتعرضان للإهانة.
ولم يشعروا بالندم إلا عندما أدركوا أن المرأة التي احتقروها لم تكن ضعيفة كما ظنوا…
بل كانت تملك من القوة، والانضباط، والحق ما يكفي مخططاتهم بالقانون، ويحمي كرامتها دون أن تنتزعها من أحد.
حكايات محمد نور




