
الاكتشاف الأكثر رعبًا كان ما أطلق عليه رد فعل الإذن، وهو سلوك نادر يعكس درجة خطيرة من السيطرة النفسية وفقدان الإرادة بعد فترات احتجاز طويلة.
عندما أحضرت الممرضة الطعام ووضعت كوب الماء بجانبها، لم تلمس كاميلا شيئًا، رغم إرهاقها الواضح، وكأنها فقدت القدرة على اتخاذ أبسط قرار بنفسها.
لم تبدأ في الأكل إلا بعد أن قيل لها بشكل مباشر يمكنك أن تأكلي يا كاميلا، حينها فقط تحركت ببطء وبدأت في تناول الطعام وكأنها تنتظر أمرًا.
كان هذا دليلًا واضحًا على تعرضها لتعذيب نفسي كامل، أدى إلى كسر إرادتها بشكل شبه تام، وهو نمط معروف لدى ضحايا الاحتجاز طويل الأمد.
في الثاني والعشرين من مارس، عند الساعة العاشرة صباحًا، أجرى فريق من أطباء النساء والتوليد فحصًا شاملًا لحالتها، وسط ترقب شديد من الجميع.
أكدت نتائج الأشعة أنها في الأسبوع الثلاثين من الحمل، أي ما يعادل حوالي سبعة أشهر، وهو ما أضاف بُعدًا جديدًا ومقلقًا للقضية.
هذا يعني أن الحمل حدث إما خلال شهر العسل قبل الاختفاء مباشرة، أو في الأسابيع الأولى من وجودها داخل الغابة، ما فتح بابًا لسيناريوهات معقدة ومقلقة.
في اليوم التالي،
ظهرت نتائج تحليل الحمض النووي باستخدام عينات من متعلقات رايان هاربر المحفوظة لدى الشرطة، لتؤكد أن رايان هو الأب البيولوجي للطفل.
أثار هذا الخبر موجة من المشاعر المتضاربة بين العائلة، فقد حمل في داخله بصيص أمل، لكنه في الوقت نفسه زاد من الرعب والغموض المحيط بالقضية.
في نفس اليوم، عند الساعة الثانية والنصف ظهرًا، دخل محققو الشرطة إلى الجناح الرابع، في محاولة لإجراء أول استجواب رسمي مع كاميلا.
لكن الحوار المسجل بدا وكأنه حديث من طرف واحد، تخللته فترات صمت طويلة، وهمسات ضعيفة بالكاد تُسمع من الفتاة المنهكة نفسيًا.
عندما سألها المحقق ميلر مباشرة عن مكان زوجها، دخلت في حالة ذهول، أصبح تنفسها سطحيًا، ونظراتها زجاجية خالية من أي استجابة طبيعية.
لاحقًا، ذكر المحققون أنها بدأت تتحدث عنه، لكنها لم تذكر اسمه أبدًا، بل كانت تشير إليه بصيغة المذكر وكأنه شخصية مسيطرة ومخيفة.
روت كيف كان يجلب لها الطعام المعلب، ويضع عبوات الفيتامينات على الرف، ويجبرها على تناولها تحت إشرافه المباشر دون أي اختيار أو اعتراض.
كانت ذكريات نظام العقاب الأكثر ألمًا، حيث أوضحت أن القبو كان يحتوي على نظام تهوية بدائي يتحكم فيه الخاطف من الخارج بشكل كامل.
إذا بكت أو حاولت الصراخ، كان يفتح فتحات التهوية، فيدخل الهواء الجبلي البارد، وتنخفض الحرارة فجأة، لتجد نفسها ترتجف لساعات تحت بطانية خفيفة.
كانت تُجبر على الصمت، حتى تنهار من شدة البرد والإرهاق، وهو أسلوب قاسٍ يعكس سيطرة مطلقة وتعذيبًا نفسيًا ممنهجًا لا يترك أثرًا ظاهرًا.
صمت كاميلا عن هويته، واختفاء أي أثر لرايان داخل القبو، أدى إلى ظهور نظرية مرعبة بين الناس وحتى داخل دوائر الشرطة نفسها.
بدأت الصحف المحلية في جاسبر تتداول احتمالًا صادمًا، وهو أن رايان ربما كان هو من دبر عملية الاختطاف منذ البداية، في سيناريو لا يقل رعبًا عن الجريمة نفسها.
المحققون لم يستبعدوا احتمال انهيارٍ عقليٍّ حاد، ودرسوه بجدية، باعتباره تفسيرًا ممكنًا لما حدث، خصوصًا مع غموض تصرفات رايان واختفائه المفاجئ دون أي تفسير منطقي واضح
ربما الشاب، غير القادر على تحمّل ضغوط حياته المقبلة كرجل بالغ، قرر إخفاء زوجته عن العالم، ليصنع واقعًا معزولًا خاصًا به، بعيدًا عن أي تدخل خارجي.
تعززت هذه الفرضية لأن رايان كان متسلقًا متمرسًا، يعرف الغابة جيدًا ويمتلك مهارات بقاء متقدمة، كما لم يعثر خبراء الأدلة الجنائية على بصمات لأي شخص غريب داخل القبو.
وُجدت فقط آثار قفازات ممسوحة قرب الباب الأمامي، ما زاد الغموض، وأشار إلى أن من نفذ ذلك كان حذرًا للغاية، ويعرف كيف يخفي آثاره بدقة شديدة.
تداول سكان المدينة رواية تقول إن رايان ربما دبر الهجوم منذ البداية، وألقى بحقيبة كاميلا الوردية لتشتيت انتباهها، ثم جرّها بالقوة إلى الملجأ المُعد مسبقًا.
أعادت الشرطة فحص جميع حسابات رايان المالية قبل اختفائه، بحثًا عن أي عمليات شراء لكميات كبيرة من الطعام أو المعدات، لكنها لم تجد أي شيء يثير الشكوك.
دخل أقارب الرجل في حالة يأس عميق، غير قادرين على تصديق أن شخصًا أحب كاميلا بهذا الإخلاص يمكن أن يرتكب قسوة بهذا التعقيد والبرود.
في الوقت نفسه، كانت الأجواء داخل الجناح الرابع كئيبة للغاية، حيث خيم الصمت والخوف على المكان، وكأن الحكاية لم تنتهِ بعد رغم انكشاف بعض خيوطها.
رفضت كاميلا مشاهدة التلفاز أو قراءة الصحف، وكأنها ما زالت عالقة داخل تلك الغرفة الخرسانية، حيث لم يكن هناك سوى صوتٍ غامض يأتي من الظلام.
كلما دخل الطاقم الطبي الغرفة، كانت ترتجف فجأة، وكأنها تتوقع ظهور نفس الشخص الذي احتجزها سبعة أشهر، بدلًا من رؤية طبيب يحاول مساعدتها.
وصل التحقيق إلى طريق مسدود، إذ امتلكوا ضحية غير قادرة على تقديم وصف واضح، ولم يكن هناك مشتبه به سوى رجل مفقود رسميًا.




