
وفجأة وهو بيفتح دراعاته ولسة بيقرب يمسكني.. النور قُطع تماماً في الفيلا، وسمعنا صوت خبطة قوية وخطوات سريعة ورايا، وإيد حطت منديل على بوقي وهمست في ودني: “اششش.. متصرخيش أنا جاي ..”، وفجأة حصل ……!!!
حصري لصفحه #روايات_من_الواقع
صوت الرصاص شق سكون الصحرا المرعب، وسليم بيه اتنفض مكانه بخضة وصرخ بصوت عالي: “إيه اللي بيحصل برة؟ الحرس فين؟!”. في اللحظة دي، الإيد اللي كانت على بوقي شالت المنديل بالراحة، وفي عز الضلمة شفت خيال شاب قوي، صوته كان فيه ثبات غريب وهو بيهمسلي: “امسكي في إيدي كويس يا مريم، مفيش وقت للأسئلة.. ثقي فيا لو عايزة تعيشي وترجعي لأختك”.
كلمة “أختك” كانت زي السحر اللي صحاني من صدمتي. مسكت في إيده كأنها طوق النجاة الوحيد في بحر غويط. سحبني وراه بسرعة وبخفة، كنا بنمشي على طراطيف صوابعنا في ضلمة الفيلا، وسليم بيه كان بيخبط في العفش القديم بأبشع الألفاظ وهو بيحاول يلاقي كشاف تليفونه.
الهروب من الجحيمالشاب ده كان عارف طريق الخروج كأنه حافظ المكان. طلعنا من باب خلفي متداري في المطبخ، وأول ما شمينا هوا الصحرا، شفت برة عربيات شرطة كتير محوطة المكان، وعساكر وضباط على رجالة سليم بيه اللي كانوا .
الشاب اللي أنقذني طلع كشاف صغير ووجهه على وشه عشان أشوفه. كان شاب في أواخر العشرينات، ملامحه مصرية أصيلة، لبسه مدني بس معاه وجهاز لاسلكي.
دموعي نزلت زي الشلال ومسكت في هدومه وأنا بصرخ : “أختي! أختي نور يا فندم! كريم أخويا بيها، قالي لو هربت هيأذيها.. أبوس إيدك وديني لأختي، أنا مش مهم بس هي لأ!”.
النقيب طارق بصلي بنظرة كلها تعاطف وحزم في نفس الوقت، وقال في اللاسلكي بتاعه: “القوة التانية اللي عند بيت المتهم ‘كريم’.. إيه الأخبار؟ نفذوا فوراً، الأولوية القصوى لتأمين الطفلة ‘نور’.. أكرر، تأمين الطفلة”.
رد عليه صوت من اللاسلكي: “علم يا فندم، ثواني ونبلغك بالتمام”.
طارق فتحلي باب عربيته وقالي: “اركبي.. إحنا في طريقنا لبيتك، زمايلي هناك مش هيسيبوا شعرة من أختك ”.
الحقيقة
في الطريق، وأنا قاعدة أترعش من البرد والخوف، النقيب طارق بدأ يفهمني اللي بيحصل.
قالي: “سليم بيه ده مش مجرد راجل غني، ده زعيم عصابة كبيرة بتغسل أموال، وبتستغل البنات اللي ظروفهم صعبة تحت مسمى ‘الجواز العرفي’ أو ‘تسديد الديون’. إحنا بنراقبه بقالنا شهور. ولما أخوكي بدأ يلعب قمار ويستلف منه مبالغ ضخمة، حطينا أخوكي تحت المراقبة. كنا عارفين إن سليم هيساومه عليكي، وكنا مستنيين اللحظة اللي يلبس فيها تلبس واضحة عشان عليه متلبس ”.
كلامه كان بينزل على قلبي زي الساقعة. أخويا.. سندي.. دمي ولحمي، كان متراقب لأنه بقى ؟ بقى بيبيع أخته عشان يسدد وساخته وقذارته؟ بابا وماما لو كانوا عايشين وشافوا اللي ابنهم بيعمله كان بحسرتهم ألف مرة.
الأصعب
وصلنا لشارعنا. الشارع كله كان مقلوب، عربيات بوكس واقفة، والجيران كلهم في البلكونات مذهولين. نزلت من العربية زي المجنونة، جريت على السلم وأنا مش حاسة برجلي. باب شقتنا كان ، دخلت لقيت عساكر جوة، وكريم أخويا متكلبش وقاعد على الأرض وشه في الأرض وبيترعش زي الفار المبلول.
محستش بنفسي غير وأنا بصرخ: “نور!! نور فين؟!”.
طلعتلي مجندة من أوة نور وهي شايلاها على إيدها، نور كانت بتفرك في عينيها ونايمة، المجندة طمنتني: “متخافيش، البنت كويسة جداً ومحستش بحاجة، إحنا لقيناه قافل عليها الباب من برة”.
أخدت نور في ووقعت بيها على الأرض، قعدت أشم في ريحتها وأبوس في إيديها ووشها، كأني بتأكد إنها حقيقية وإن ده انته
.
رفعت عيني وبصيت لكريم. للمرة الأولى في حياتي مشوفش فيه الأخ الكبير ولا الأب البديل.. شفت فيه مسخإنسان قلبه وعماه الطمع.
قمت وقفت، واديت نور للمجندة، وقربت منه. رفع عينه وبدأ يعيط التماسيح: “سامحيني يا مريم.. غصب عني، هددوني يقتلوني لو مدفعتش.. شاطر يا أختي، سامحيني عشان خاطر ربنا وعشان خاطر بابا”.
نزلت قلم على وشه بكل قوتي.. قلم طرقع في صمت كلها.
قلتله وصوتي كله قهر: “بابا؟! إنت بتجيب سيرة بابا على لسانك ده؟ بابا اللي عمره كله عشان يكبرنا بالحلال.. إنت بعت شرفه وبعت عرضك عشان الفلوس ! مش شاطر يا كريم، إنت اللي شيطان.. إنت رميتني لواحد ميسواش، بحتة لحمة حمرا ملهاش ذنب! إنت من اللحظة دي لا أخويا ولا أعرفك، وإياك تنطق اسمي على لسانك لحد ما !”.
النقيب طارق شاور للعساكر، فشالوا كريم من على الأرض وجروه على برة وسط نظرات الاحتقار من كل الجيران.
نهاية الظالمين وبداية جديدة
مرت الأيام والشهور بعد الليلة دي، بس كانت كفيلة تغير حياتي كلها.
أما أنا ونور.. فبدأنا حياة جديدة. بعت البيت الصغير اللي كان مليان ذكريات وجع، وأخدت صغيرة قريبة من كليتي. اشتغلت فترتين، الصبح في الكلية وبعد الضهر مساعدة في صيدلية، كنت بنام ساعتين تلاتة بس في اليوم، بس كنت بنام وأنا مرتاحة ومرفوعة الراس.
النقيب طارق فضل متابع حالتنا فترة طويلة بحكم ، وبعدها بشخصه. كان نعم الأخ والصديق اللي عوضني عن غدر أقرب الناس ليا. ساعدني ألاقي شغل كويس، وكان دايماً بيطمن على دراسة نور.
بعد مرور 3 سنين…
اليوم اللي بابا كان بيحلم بيه جه. كنت لابسة روب التخرج، واقفة على مسرح الكلية بستلم شهادتي كدكتورة صيدلانية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
بصيت في القاعة، شفت “نور” كبرت وبقت عروسة صغيرة، واقفة بتسقفلي وتدمع، وجمبها واقف “طارق”، اللي بعد ما القضية خلصت، جاب أهله وطلب إيدي في النور، وبقى خطيبي وسندي الحقيقي اللي ربنا عوضني بيه.
مسكت المايك بعد ما استلمت الشهادة، وبصيت للناس كلها وقلت:
“كتير مننا بيفتكر إن السند دايماً بييجي من ، وإن العيلة هي الحصن الوحيد.. بس أنا اتعلمت في طريقي إن السند الحقيقي هو اللي يخاف ربنا فيك. اتعلمت إن الفلوس الحرام والطمع بيهدوا بيوت ويبنوا .. وإن البنت مهما كانت ضعيفة أو لوحدها، ربنا بيكون معاها لو فضلت ماسكة في شرفها وأصلها. الضربة اللي بتقوي، وأنا اللي أخدتها من أقرب الناس ليا، هي اللي خلتني أقف قدامكم النهاردة دكتورة مريم، قوية، وراضية، ومكملة طريقها.”
القاعة كلها وقفت تسقف، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن روح بابا وماما حواليا بيضحكوا ومبسوطين. أخدت أختي في حضني، وبدأت أول يوم في حياتي الحقيقية، حياة مبنية على الشرف، الكرامة، والعوض الجميل من ربنا.
العبرة من القصة:
الطمع مقتل: الجري وراء المال والمكاسب السريعة (كالقمار) الإنسان ويجعله يخسر أغلى ما يملك، حتى أهله وكرامته.
القوة في التمسك بالحق: مهما كانت الظروف ومهما بدا منتصراً، فإن التمسك بالأخلاق والمبادئ هو طوق النجاة.
العوض الإلهي: عندما يغلق في وجهك باب، ويخذلك أقرب الناس، يرسل لك الله من ينقذك ويعوضك عن كل الألم الذي مررت به، شرط ألا تفقد إيمانك به وبنفسك.
صلة اليست كل شيء: المواقف هي التي تصنع السند الحقيقي، وليس مجرد القرابة.




