عام

مرات أخويا اتصلت بيا

مرات أخويا اتصلت بيا وهي بتصيف في العالمين مع العيلة وقالتلي أروح أأكل صخر عشان محدش في البيت لكن أول ما فتحت باب الشقة، لا لقيت الكلب ولا لقيت أي حد ولما وصلت لآخر الطرقة سمعت صوت طفل بيعيط من ورا باب مقفول بالمفتاح من بره وأول ما فتحته لقيت ابنها اللي عنده خمس سنين متكور على الأرض، وشفايفه ناشفة من العطش،

وباصصلي بعينين مطفية وهو بيهمس: أنا كنت عارف إن ماما كدبت وإنك مش هتيجي.. في اللحظة دي افتكرت إن أسوأ حاجة ممكن أشوفها هي طفل سايبينه جعان لوحده. لكن بعد دقايق، الرسالة اللي بعتتها لي أمه على موبايلي وكلمة واحدة قالهالي الدكتور في المستشفى خلوني أفهم إن اللي حصل مكنش إهمال كان حاجة أخطر بكتير

“أيوه، هي هنا. وصلت من يوم الجمعة ومعاها صخر ورنا. يوسف مجاش. وهي دلوقتي قاعدة عند حمام السباحة بتنزل ستوريز كأن مفيش أي حاجة.”

قريت الرسالة تلات مرات.

رنا، بنتها اللي عندها تمن سنين، كانت هناك. وصخر كان عايش وفرحان، بيجري بين الكراسي بكل أريحية.

أما يوسف…

يوسف ماكانش منسي.

يوسف اتساب ورا…

بقصد.

حسيت في اللحظة دي إن حاجة جوايا اتكسرت. مش حزن… لأ. كان كأن باب اتقفل للأبد بين العيلة اللي كنت فاكرة إنها عيلتي، وبين الحقيقة اللي ظهرت قدامي.

بعت رسالة تانية لصاحبتي سارة شغالة في الفندق بالعلمين.”.

“هو طارق هناك؟”

الرد اتأخر كام ثانية.

“لأ. خديجة بتقول إن طارق في أسوان. بس يا مريم… هي لسه منزلة ستوري وهي بترفع كوباية عصير وبتضحك. شكلها هادي بشكل يخوف.”

قفلت الموبايل، وبصيت ليوسف من ورا إزاز الطوارئ.

بقه كان مفتوح سنة بسيطة، والمحلول بينزل نقطة نقطة، والديناصور الأخضر مستخبي تحت دراعه.

خمس سنين…

تلات أيام محبوس في أوضة…

وأمه قاعدة عند حمام السباحة بتستمتع بإجازتها.

بعد حوالي عشرين دقيقة وصلت الأخصائية الاجتماعية.

كان اسمها أمل. شعرها مربوط لورا، وماسكة ملف أزرق، وباين على وشها إنها شافت مواقف كتير في شغلها، لكن لسه الظلم بيغضبها.

قالت بهدوء:

“محتاجة تحكيلي كل حاجة من الأول.”

وحكيتلها كل حاجة.

مكالمة خديجة.

المفتاح اللي تحت أصيص السرخس.

اختفاء صخر.

الباب المقفول من بره.

إزازة المية .

والرسائل اللي بعتتهالي.

ماقاطعتنيش ولا مرة.

كانت بتكتب وهي ماسكة القلم بقوة لدرجة إن صوابعها بقت بيضا.

ولما خلصت، أخدت نفس عميق وقالت:

“إحنا هنبلغ حماية الطفل والنيابة فورًا. والولد ده مستحيل يرجع لأمه.”

قلت من غير تردد:

“ولا لأي حد هيحاول يحميها.”

رفعت عينها وبصتلي.

“حتى لو كان أخوكي؟”

السؤال نزل عليا زي القلم.

طارق…

أخويا الصغير اللي كان بيمشي ورايا طول الوقت وهو شايل الكورة.

اللي عيط أول ما يوسف اتولد.

بس هو كمان…

الأب اللي يا إما ماشافش إن ابنه بقى جلد على عضم…

أو شاف وسكت.

قلت بصوت مكسور:

“مش عارفة… مش قادرة أوصله.”

اتصلت بيه مرة كمان.

البريد الصوتي.

بعتله رسالة:

“طارق… أنا في الطوارئ مع يوسف. خديجة في أوضة من يوم الجمعة. تعالى حالًا. ومتتصلش بخديجة… تعالى بس.”

الرسالة فضلت بعلامة واحدة.

ساعتها افتكرت حاجة.

خديجة كانت هي اللي ماسكة كل حاجة في البيت.

الفواتير.

الباسوردات.

مواعيد العيال.

حتى جدول طارق نفسه.

وكان دايمًا بيهزر ويقول إن خديجة منظمة أكتر من أي مدير شركة.

لكن الفكرة دي دلوقتي…

بقت مرعبة.

بعت رسالة لزميل طارق في الشغل، أحمد.

“هو طارق في أسوان فعلًا؟”

الرد جه في ثواني.

“لأ. السفر اتلغى من يوم الخميس. طارق أخد إجازة لأن خديجة قالت إن يوسف عنده حرارة.”

حسيت الدنيا بتميل بيا.

لو طارق مش في أسوان…

أمال هو فين؟

خرجت للممر عشان آخد نفس.

بصيت من الشباك.

النهار كان بيغيب، والعربيات زحمة، والكلاكسات مالية الشوارع.

الحياة ماشية عادي.

ستات راجعين من السوق.

راجل بيبيع آيس كريم.

وعيلة بتتخانق على مكان يركنوا فيه العربية.

وابن أخويا…

كان عايش بالصدفة.

أو يمكن…

لأن خديجة كانت عايزاني أنا اللي ألاقيه قبل ما يكون فات الأوان.

الفكرة دي خبطتني فجأة.

ليه اتصلت بيا؟

ليه كذبت عليا وقالت أطعم صخر؟

وليه سابت المفتاح في مكان معروف؟

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى