روايات وققص

المفاتيح علي الكونسول

“المفاتيح على الكونسول يا ندى… وما تبصيليش كده. أنا مش متعيّنة علشان أخدمك بعد العملية اللي عملتيها! كريم بقى عنده حياة جديدة… وإنتِ لسه قاعدة هنا زي الحشيشة اللي طالعة في جنينة مش بتاعتها!”
الكلام نزل على ندى زي السك..ينة قبل حتى ما تلحق تدخل عتبة الشقة. كانت حماتها، الست فوزية، واقفة في نص الطرقة، ريحتها المعتادة سلقاها… ريحة البرفيوم التقيل اللي كانت ندى أول ما تشمه، تعرف إن فيه خناقة جاية في السكة. عمرها ما شمت الريحة دي إلا وكان وراها يوم أسود!

وراها كان واقف كريم… جوزها. الراجل اللي كانت بتصحى قبله كل يوم بساعة علشان تعمل له الفطار وتحضر له قهوته قبل ما منبهه يرن. لكنه النهارده ماكانش قادر حتى يرفع عينه في عينها. عينه كانت في الأرض، كأنه بيدور بين بلاط الشىقة على أي مبرر يداري بيه نذالته.
ندى سندت ضهرها على حلق الباب، وهي حاسة بألم العملية لسه بيقطّع في بطىنها. لسه خارجة من المستشفى من كام ساعة، جسمها مهدود وآثار البنج لسه مخلياها مش متزنة. مكانش معاها في إيدها غير شنطة صغيرة فيها روب البيت، شبشب، شوية أدوية، والتقارير الطبية.
أما باقي حاجتها… فكان واضح إنهم خلاص “خلصوا منها”.
قالت بصوت مخىنوق ومهزوز:

— كريم… إنت بتتكلم بجد؟ دلوقتي؟! في الظرف ده؟
رد من غير ما يبص لها، ونبرته فيها برود مستفز:
— ندى… بلاش نكبر الموضوع. إحنا اتكلمنا قبل كده.. الشقة ضيقة، وأمي محتاجة ترتاح، وأنا لازم أكمل حياتي. وسارة نقلت حاجتها خلاص، وماينفعش تفضل واقفة على الباب بالشنط!
ندى ضحكت ضحكة مكتومة كلها وجع وقهر:

— سارة؟! يعني وجودها هي على الباب مشكلة… لكن مراتك اللي لسه خارجة من أوضة العمليات عادي تتطرد في الشارع؟!
الست فوزية ربعت إيدها بابتسامة انتصار شامتة. كانت مستنية اللحظة دي من أول يوم كريم دخل فيه ندى حياته. بالنسبة لها، ندى عمرها ما كانت الزوجة المناسبة لابنها، وكان لازم الغلطة دي تنتهي فوراً. حكايات منــال عـلـي
قالت وهي بتتلوى وبتتلذذ بكل كلمة:
— أنا لمّيتلك كركيبك كلها.. هتلاقي الشنط جنب الأسانسير. هدومك، كتبك، وكل حاجة تخصك. بس الطاجن الفخار سيبته، ده من جهاز أمي الله يرحمها، ومش هينفع يطلع من البيت!

ندى لفتت راسها وبصّت ناحية الأسانسير…
فعلاً… أكياس زبالة سودا مرمية على الأرض بإهمال. طرف البلوفر الصوف المفضل ليها كان باين من قطع في واحدة منهم… البلوفر اللي باباها جابهولها في آخر عيد ميلاد ليه قبل ما يمىوت. الأكياس كانت متبهدلة ومتفتشة بدقة، واضح إن حماتها قلبت كل حاجة بنفسها علشان تضمن إن ندى ماخدتش قشاية زيادة.
وفجأة… خرجت سارة من المطبخ. حصري على صفحه روايات واقتباسات
بنت صغيرة في نص العشرينات… قمة في الشياكة، على وشها ابتسامة باردة، ولابسة تريننج وردي حرير، كأنها جاية تبدأ شهر عسل.

وفي إيديها…
المج المفضل لندى!
المج اللي ندى اشترته من أول مرتب قبضته في حياتها، وكان وش السعد عليها، ومبتشربش قهوة الصبح إلا فيه.
قالت سارة بنبرة دلع مستفزة وهي بتاخد رشفة شاي:
— أوه… إزيك يا ندى؟ حمد الله على سلامتك. أنا لسه بتعود على مكان الحاجه في البيت.. الست فوزية قالتلي إن الشقة بقت بتاعتي وفاضية خلاص.
في اللحظة دي بالذات…
حاجة جوه ندى اتهدت واتكسرت لمليون حتة.
لكن الغريب…
إنها ما عيطتش!
ولا صرخت.. ولا حتى عاتبت.

بالعكس…
شفايفها اترسمت عليها ابتسامة.
ابتسامة هادية… هادية بشكل يخوّف!
أما كريم… فكان أعمى لدرجة إنه ماخدش باله من الابتسامة دي، ولا قرا الرعب اللي مستخبي وراها.
وده كان أكبر وأخطر غلط عمله في حياته كلها…
وووو يتبع

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى