
الست فوزية لفت وشها للحظة، وحست بنغزة قلق من نظرة ندى اللي مفيهاش خوف.. لكن ندى في ثانية نزلت عينيها للأرض. كانت مهدودة، حرفياً مش قادرة تقف على رجليها.. وساكتة سكوت يخوّف، السكوت اللي بيسبق العاصفة. حكايات منــال عـلـي
مشت ناحية الأسانسير خطوة خطوة، على مهلها وكأنها بتجر جبال وراها. كل خطوة كانت بتسمّع بوجع في بطنها مكان غُرز العملية، ووجع ألعن وأقوى بيكىسر في قلبها بسبب الخذلان.
بصت على الأكياس السودة المرمية جنب الأسانسير بإهمال، وحست إن الأكياس دي شبه جوازها من كريم بالظبط.. حياة كاملة، بسنينها بأيامها بتفاصيلها، اتحشرت في شوية أكياس زبالة، وكأنها عمر ما كان ليها قيمة ولا لزمة في البيت ده. حصري على صفحه روايات واقتباسات
وطّت بصعوبة والوجع نتش في جنبها، ومدت إيدها شالت أول كيس. أول ما لمست البلوفر الصوف اللي باباها جابهولها هدية، دموعها غافلتها وكانت هتنزل، بس بلعتها وتماسكت. البلوفر ده كان آخر حاجة فاضلالها بتفكرها بنفسها، وبالبيت الحقيقي الغالي اللي عمره ما كسر بخىاطرها.
الست فوزية وقفت تعدل في الغوايش الذهب في إيدها بنبرة تريقة وقالت:
— بقولك إيه يا ندى؟ بلاش عيشة دور الضحية والمسكنة دي، مبتاكلش معايا! خلاص.. الفيلم خلص والموضوع انتهى. كريم بقى مع سارة، وهي دي اللي من توبنا ولايقة عليه.. أما إنتِ بقى، فحكايتك معانا بح وفصلها اتقفل!
ندى هزت راسها بهدوء غريب، ووشها مفيش فيه أي تعبير:
— أيوه.. عندك حق يا ست فوزية، فعلاً خلصت.
وداست على زرار الأسانسير.. حكايات منــال عـلـي
الباب اتفتح وصوته زَن في الممر.. لكن ندى بدل ما تدخل، لفت وشها ليهم تاني، ووقفت بكبرياء غريب رغم التعب. بصت للحماة وقالت بصوت هادي وراسي، مفيش فيه نبرة غضب واحدة:
— بالمناسبة يا ست فوزية.. واضح إن الشىقة دي غالية عليكي أوي والغل واكلك منها، صح؟
الست فوزية رفعت راسها لفوق بفخر واعتزاز وقالت:
— طبعاً غالية! وأومال إيه يا عين أمك؟ دي شقة العيلة.. من أيام المرحومة أمي، ومن بعدها ليا ولابني..
وسكتت فجأة.. الكلام وقف في زورها لما لمت المحة الخبيثة في عين ندى.
برقت وبصتلها باستغراب وشك:
— وإنتِ مالك ومال الكلام ده أصلاً؟ بتسألي بصفتك إيه؟
ندى ابتسمت ابتسامة هادية وصغيرة.. لأول مرة من سنين تكون هي اللي ماسكة اللعبة وبتلعب بيهم. وقالت ببرود قاتل:
— أصل ماما جاية بكرة الصبح بنفسها. وأكيد هتفرح أوي لما تشوف الشىقة بعد ما فرشتوها ووضبتوها وغيرتوا ديكوراتها.. خصوصاً يعني، إن الشقة دي مكتوبة باسمها هي.. عقد أزرق مسجل في الشهر العقاري.
في ثانية واحدة..
الصمت حلّ على المكان زي صمت المقابر.
وفجأة.. “دششش!”
المج اللي كان في إيد سارة اتهز ووقع على السيراميك اتقسم ميت حتة، والشاي اطلق على الأرض.
سارة وقفت متنحة، بؤها مفتوح ومصدومة، وبقت تبص لكريم وللحماة برعب.. حست إنها اتدبست في مصلحة مالهاش أول من آخر.
أما كريم.. فوشه اتخطف وبقى أصفر زي الليمونة، وجسمه عرق وساعتها بس استوعب المصيبة السودة اللي هو وأمه حطوا نفسهم فيها.. اللعبة اتقلبت عليهم.
والست فوزية؟ مسكت في سور السلم بإيد مرتعشة وغوايشها الذهب قعدت تخبط في بعضها.. حست كأن الأرض بتمور وتهبط بيها، والضغط عِلي في نفوخها.
ندى ابتسمت.. بس المرة دي كانت ابتسامة نصر حقيقية وطالعة من قلبها. بصت لسارة اللي واقفة مرعوبة وقالتلها بنبرة شفقة:
— ألف مبروك عليكي الشقة الجديدة يا عروسة.. استمتعي بيها الليلة دي كويس أوي.. اشبعي بيها.
ولفت ودخلت الأسانسير، والباب قفل على وشوشهم المصدىومة.
تاني يوم..
الساعة كانت تسعة الصبح بالدقيقة والثانية.
جرس الشىقة رن ضىربات متتالية وسريعة.. ضربات فيها هيبة.
فتحت الست فوزية الباب وإيدها على قلبها، ولقت قدامها ست في أواخر الخمسينات.. شياكة وأناقة فوق الوصف، واقفة بكل ثقة ولابسة نظارة شمس ولبس فورمال، وفي وشها هدوء يخوف بلد.
قلعت النظارة وبصت للست فوزية بابتسامة صفرا وقالت:
— صباح الخير.. أنا أم ندى. وجاية بنفسي أشوف مين اللي قلب قلبه قوي وسمح لناس غرب يدخلوا ويعيشوا في شقتي من غير إذن صاحبها؟
سارة كانت واقفة عند باب المطبخ متجمدة، لسه بجلابيتها ومشوشة، وماسكة مج تاني في إيدها وبتترعش.
وكريم كان واقف ورا أمه وشه في الأرض، كان نفسه الأرض تنشق وتبلعه ولا يتحط في الموقف المخزي ده قدام حماته السابقة.
أما الست فوزية.. فتحت بؤها وحاولت تتكلم، تبرر، تفرش ملاية زي عوايدها.. لكن ولا كلمة طلعت، صوتها هرب منها.
أم ندى بكل برود فتحت شنطتها الجلد الغالية، طلعت منها ملف، وحطته بخبطة مسموعة على الكونسول اللي جنب الباب.. نفس الكونسول اللي كان عليه المفاتيح بالإهانة بالأمس.
وقالت بنبرة حاسمة زي السيف:
— ده عقد ملكية الشىقة.. باسمي أنا شخصياً.. دفعاها قرش على قرش لبنتي.
وسكتت لحظة، سابت الصدمة تاكل فيهم.. وبعدين طلعت ورقة تانية بختم النسر، وقالت وهي بتبحلق في عيني الست فوزية بجرأة:
— وده بقى.. إنذار رسمي على يد محضر بالإخلاء الفوري.. وقدامكم بالظبط ساعتين، لو حاجتكم متلَمِتش، هطلب نجدة طرد وبلاغ اقتحام عين غير مملوكة.. وبصراحة مش حابة بهدلتكم في السجل.
مرّت دقيقة كاملة مفيش صرصار حقل نطق فيها..
وبعدها.. الدقيقة دي خلصت من هنا، والشىقة اتقلبت جحيم من هنا!
صوت خناقات وصريخ مالي العمارة..
سارة بتصوت وتزعق لكريم: “إنت ضحكت عليا يا كريم؟ جايبني شقة مش بتاعتك؟”
والست فوزية بتزعق وتلطم على وشها وتدعي، وأبواب بتتجرح وتترزع.. برستيجهم كله اتبعثر في الأرض.
أما ندى.. فمكانتش فوق وسط الدوشة دي خالص.
كانت قاعدة تحت في التكييف جوه عربية مامتها، ساندة راسها على الشباك وسامعة صدى الدوشة والصريخ اللي طالع من البلكونة فوق. ولأول مرة من سنين طويلة.. حست إن الهوا بيدخل صدرها نقي، وإنها بتتنفس بحرية من غير كتمة نفس.
وفجأة.. سمعوا صوت حاجة إزاز تقيلة بتتكسر فوق وبتدش في منور العمارة.
ندى ابتسمت براحة..
يمكن كان مج.. يمكن فازة من جهازها.. يمكن نيش الست فوزية كله اتهد.. مبقاش يفرق معاها في شلن.
مامتها فتحت باب العربية، ركبت جنبها ودارت الموتور وبصتلها بحنان:
— ها يا حبيبة أمك؟ تحبي نطلع للمحضر ونقف نتفرج عليهم وهم بيطردوا؟
ندى هزت راسها بابتسامة هادية ورايقة:
— لأ يا ماما.. خلاص، كفاية عليهم كده.. يخليهم يشربوا من نفس الكاس ويتصرفوا في القذارة اللي عملوها بإيديهم. اطلعي بينا.
العربية بدأت تتحرك..
والعمارة بكل ناسها وغلها ونذالتها بدأت تصغر في مراية العربية شوية بشوية، لحد ما اختفت تماماً.
على التابلوه قدام ندى، كان محطوط المج المفضل بتاعها.. المج اللي اشترته من أول مرتب.. مامتها وهي داخلة العمارة كانت لقطته ولمحته جنب الأسانسير جوه كيس مقطوع، وأخدته معاها.
ندى مشت صوابعها عليه برقة وحب..
كان بارد من تكييف العربية.. بس كان لسه سليم ومفلوقش منه حتة.
زي كرامتها وحقيقتها بالظبط.. اللي بعد كل الوجع ده، رجعتلها كاملة ومكىسورتش.
وساعتها.. سندت ضهرها لورا، وابتسمت لأول مرة من سنين.. ابتسامة حقيقية من صمصوم قلبها.
تمت




