
الباب اتفتح، ودخل أبويا. الزمن كان حافر في وشه علامات كتيرة، ضهره كان محني، ومكنش لابس البدلة الشيك اللي كان بيروح بيها حفلات منى.. كان باين عليه الهم. ووراه دخلت منى، وشها شاحب، باصة في الأرض، ومكسورة كسر عمري ما شفته فيها قبل كده.
وقفت ترحيباً بيهم من باب الذوق والأدب، وشاورت لهم يقعدوا.
أبويا بص للمكتب الكهرماني والشركات اللي برا، وعينه دمعت. قال بصوت مبحوح: “بسم الله ما شاء الله.. ربنا يزيدك يا بنتي.”
رديت بهدوء: “أهلاً يا بابا.. اتفضلوا، تشربوا إيه؟”
قال بسرعة وهو بيفرك إيده: “لا يا بنتي مش جايين نشرب.. احنا جايين في مصلحة، ومفيش غيرك بعد ربنا يقدر ينجدنا.”
بصيت لمنى اللي كانت بتبكي من غير صوت، وسألته: “خير؟ في إيه؟”
أبويا اتنهد تنهيدة وقال: “جامعة النيل الخاصة والشهادة المنظرة اللي دفعنا فيها قلبنا منفعوش أختك.. منى اتخرجت ومشتغلتش، وقعدت في البيت. من سنة، جالي واحد اتقدم لها، قال إنه رجل أعمال وعنده مشاريع. وافقت وعطيته كل اللي حيلتي.. ومضيت على نفسي وصلات أمانة وشيكات عشان أجهّزها بأحسن جهاز عشان متبقاش أقل من حد. وفي الآخر.. طلع نصاب. أخد الفلوس والذهب وهرب، وأختك رجعتلي مطلقة ومكسورة، وأنا عليا حكم حبس تنفيذي الأسبوع الجاي بسبب الشيكات.”
الوضوح كان صاعق. الاستثمار اللي أبويا راهن عليه بكل فلوسه وباعني علشانه.. انهار بالكامل.
أبويا اتمرمغ في دموعه وقام من مكانه، وكان جاي يوطي على إيدي، فمسكته بسرعة ومنعته: “استغفر الله العظيم يا بابا! متعملش كده، اذكر الله.”
منى رفعت رأسها وقالت وهي من الكسوف: “الحقينا يا ياسمين.. أبوكي هيروح في الرجلين. أنا آسفة.. آسفة على كل يوم كنت بتباهى فيه عليكي وأنا عارفة إنك .”
قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت للسقف.. وافتكرت ليلة العيد الصغير وأنا باكل أندومي لوحدي وهما منزلين صورة السفرة. وافتكرت طردتي من الصالون. كان ممكن في اللحظة دي أتحول ، وأقولهم “ذوقوا من نفس الكأس”. بس الإسلام وديننا علمنا إن العقوق مبيتردش بعقوق، وإن الأهل -مهما قسيوا- ليهم حق البر، والشهامة مابتتجزأش.
سحبت دفتر الشيكات بتاعي من الدرج، وكتبت رقم المبلغ اللي عليه كله وزيادة.
قطعت الشيك وقدمته لأبويا وقلتله: “ده شيك بالمبلغ كله.. تسدد الديون وترفع القواضي، ومحدش هلمس شعرة منك.”
أبويا مسك الشيك وهو مش مصدق، وبقى يبوس الشيك ويبصلي ودموعه مغرقة وشه: “سامحيني يا بنتي.. أنا .. أنا رميت الدهب في التراب وجريت ورا السراب! أنتِ اللي كنتِ الاستثمار الحقيقي.”
ابتسمت ابتسامة هادية وقلتله: “أنا مسمحاكم من زمان يا بابا.. بس الشيك ده لله، ولأجل صلة الرحم اللي ربنا أمرنا بيها، مش عشان أثبتلك إني كنت صح. الفلوس دي فلوس شغلي وحلالي، وربنا هو اللي استثمر فيا لما أنتوا سبتوني.”
وقفت وفتحت الباب: “تقدروا تروحوا تلحقوا الإجراءات.. وحمد الله على سلامة منى، ربنا يعوضها بالأحسن.”
خرجوا من المكتب وهما بيدعولي في كل خطوة، وأبويا ضهره اتفرد شوية بعد ما انزاح من عليه هم السجن. قفلت الباب وقعدت ورا مكتبي، وبصيت للسماء وقلت: “لك الحمد والشكر يا رب.. أكرمتني وخليت إيدي هي العليا.. وعوضتني عن كل كسرة خاطر بـ مقام مكنتش أحلم بيه.”
مرت الأيام والشهور، وبقيت مركزة في طريقي وبس. الديون اتسددت، والموضوع عدا، ورجعت لحياتي الهادية بين مدرجات الجامعة ومكتبي في الشركة. بأهلي بقيت قايمة على “البر” بحدوده الشرعية؛ بسأل عليهم، ببعت ليهم اللي يحتاجوه، بس في مسافة أمان واضحة.. مسافة بتحمي قلبي من إنه يتكسر تاني.
في يوم، جالي مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة، ولقيت معاه دكتور رأفت بيل، أستاذي القديم اللي كان صاحب الفضل عليا بعد ربنا.
دكتور رأفت ابتسم أول ما شافني وقال: “يا ياسمين، أنا فخور بيكي كل يوم أكتر من اللي قبله. الشركة هنا بتكبر، والجامعة كمان محتاجة كفاءتك. بس النهاردة أنا جاي بصفتي رئيس لجنة صندوق ‘هاوثورن’ في الشرق الأوسط.”
بصيت له باهتمام، فكمل وهو بيسلمني ملف شيك جداً: “المنحة قررت تفتح فرع إقليمي دائم هنا في مصر، عشان تدعم الطلبة المتفوقين اللي بيمروا بظروف صعبة ومش قادره أهاليهم يتكفلوا بيهم. واحنا مش ملاقيين حد يمسك إدارة الصندوق ده ويكون رئيس لجنة الاختيار غيرك.. أنتِ أكتر واحدة حاسة بالشباب دول، وعارفة يعني إيه طالب بيعافر لوحده في الدنيا.”
في اللحظة دي، حسيت بقشعريرة في جسمي كله. دموعي نزلت من الفرحة.. ربنا مش بس عوضني، ده كمان بيستخدمني عشان أكون سبب في جبر خواطر ناس تانية عاشوا نفس وجعي. وافقت طبعاً ومن كل قلبي.
أول يوم بدأت فيه شغل في الصندوق، كنت قاعدة ورا مكتب اللجنة، وقدامي ملفات مئات الطلبة. فتحت أول ملف، وبدأت أقرأ قصص لشباب وبنات، أهاليهم اتخلوا عنهم، أو ظروفهم المادية وقفت ضد أحلامهم.
سحبت القلم الأحمر بتاعي، وبدأت أمضي بالموافقة على المنح، وأنا بفتكر نفسي زمان. كنت بكتب لكل طالب فيهم كلمة تشجيعية تحت إمضائي: “عافر.. أنت استثمار نفسك، وربنا دايماً جمب اللي بيسعى”.
في نهاية اليوم، خرجت من مبنى الصندوق، وكانت الشمس بتغرب والجو جميل. لقيت أبويا واقف مستنيني برا جمب عربيتي، ومعاه كيس أسود صغير.
قربت منه بابتسامة: “أهلاً يا بابا، واقف في الحر ليه؟ كنت اتصلت بيا طلعتك المكتب فوق.”
أبويا بص في الأرض بكسوف، وطلع من الكيس علبة قطيفة قديمة، وفتحها.. كان فيها “غويشة دهب” من بتوع أمي.
قال بصوت حنين مليان رجاء: “يا بنتي.. أنا عارف إن فلوس الدنيا كلها مش هتعوضك عن ليلة واحدة نمتي فيها زعلانة بسببنا. بس الغويشة دي أمك شايلاها من زمان، وقالتلي ادهالي لياسمين.. مش تمن لأي حاجة، بس دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا دلوقتي ونفسنا تقبليها مننا.. كـ دليل إننا بنحبك، وإننا أسفين بجد.”
بصيت للغويشة القديمة، وبصيت لوش أبويا اللي بان عليه الندم الحقيقي. في اللحظة دي، حسيت إن الحِمل اللي كان على قلبي انزاح تماماً. الوجع القديم داب، وحل محله راحة غريبة.
مديت إيدي وأخدت العلبة منه، وابتسمت من قلبي: “مقبولة يا بابا.. وتسلم إيد أمي. يلا بينا عشان أعزمكم على العشا النهاردة.”
ركبنا العربية مع بعض، وأنا باصة للطريق قدامي، حامدة ربنا وشاكرة فضله. أدركت إن المنع ساعات بيكون هو عين العطاء، وإن لو مكنتش مرت بالظروف دي، مكنتش هبقى “ياسمين” القوية، الناجحة، اللي إيدها هي العليا، واللي قدرت تحمي أهلها وتنقذهم في وقت شدتهم.
القصة مكنتش قصة فلوس وجامعات.. القصة كانت قصة ثقة في الله، ويقين بأن اللي بيتقي ربنا وبيعتمد عليه، بيجعل له من كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.




