
من مكاني قدام في صفوف الأوائل والمتفوقين، لمحتهم على طول.
الركشة الأولى، الصف الأول في النص بالظبط.
أبويا كان رافع كاميرته ومجهزها، وأمي ماسكة بوكيه ورد أبيض كبير.
ومنى قاعدة وراهم مع صحابها بتضحك وبتظبط الروب بتاعها.
كانوا واثقين من نفسهم أوي.
المزيكا بدأت، ودكاترة الجامعة وعمداء الكليات طلعوا على المسرح، والأسماء بدأت تتقال ورا بعضها في المايك.
قلبي كانت سريعة وبتدق جامد.
بعدين رئيس الجامعة قرب من المايك ومعاه بطاقة الاسم.
أبويا رفع الكاميرا وركزها على المربع اللي قاعدة فيه منى.
وأمي اتعدلت وهي ماسكة الورد وجاهزة تقوم.
وفجأة، صوت رئيس الجامعة هز الاستاد وهو بيقول:
“والآن.. نرجو الترحيب بالطالبة الأولى على الجامعة وخريجة هذا العام لإلقاء كلمتها…”
نطق اسمي الثلاثي في المايكروفون. الصوت كان قوي وواضح وبيلعلع في كل ركن من أركان الاستاد.
في اللحظة دي، شفت أبويا إيده اتجمدت على الكاميرا. الكاميرا اللي كانت موجهة لمنى نزلت ببطء، وملامحه اتخطفت تماماً. أمي وقفت نص واقفة وبوكيه الورد الأبيض في إيدها، وبصت يمين وشمال وهي مش مستوعبة، كأنها بتدور على حد تاني بنفس الاسم. أما منى، فضحكتها اختفت فجأة، وبقت تبصلي وهي حاطة إيدها على بوقها من .
قمت من مكاني بثبات، وبدأت أمشي خطوة بخطوة ناحية المنصة. صوت تصفيق الآلاف من الأهالي والدكاترة كان بيهز الأرض تحت رجلي، وميدالية “هاوثورن” الدهب بتخبط على صدري مع كل خطوة.
وقفت ورا المايك، وبصيت على الاستاد كله.. وبعدين ركزت عيني عليهم هما التلاتة بالظبط. كانوا قاعدين في أول صف، باصين لفوق، مذهولين، كأنهم شايفين شبح مش البنت اللي رموها من أربع سنين.
أخذت نفس عميق، وقربت من المايك وقلت:
“سيادة رئيس الجامعة، السادة العمداء، أساتذتي الأجلاء، وأهالي زملائي الكرام.. صباح الخير.
لما وقفت هنا النهاردة كالأولى على الجامعة، افتكرت جملة اتقالتلي من أربع سنين بالظبط في صالة بيتنا.. اتقالي إني ‘مش استثمار ناجح’، وإن مفيش فايدة من التعليم فيا. افتكرت الليلة اللي نمت فيها وأنا حاسة إن ماليش ضهر، وإن مستقبلي اترمى في الزبالة لمجرد إن معيش فلوس.”
الاستاد كله سكت تماماً، لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت تسمع. لمحت أمي وشها بقى أحمر وزي اللي هتعيط من الكسوف، وأبويا نزّل عينه في الأرض، مش قادر يحط عينه في عيني قدام الناس.
كملت وصوتي مفيش فيه أي :
“النهاردة، أنا مش واقفة هنا عشان أثبت لنفسي حاجة، أنا واقفة عشان أقول لكل طالب وطالبة سهروا وتعبوا وشافوا أيام مفيش فيها تمن المواصلات: ربنا مبيضيعش أجر من أحسن عملاً. الاستثمار الحقيقي مش بفلوس الأهل، الاستثمار الحقيقي هو العناد، والكرامة، والاعتماد على الله ثم النفس. شكرًا لجامعة النيل، وشكرًا لدكتور رأفت بيل اللي آمن بيا لما أقرب الناس ليا اتخلوا عني.”
نزلت من على المنصة، والاستاد كله قام على رجليه بيصقف بحرارة وصوت الهتاف مكنش بيوقف.
لما الحفلة خلصت والناس بدأت تتجمع، شفتهم جايين عليا من بعيد. أمي كانت بتقدم الورد الأبيض وإيدها بترتعش، وعينها مليانة دموع ندم وقالت بصوت واطي: “مبروك يا بنتي.. احنا مش مصدقين.”
وأبويا قرب خطوة، كان باين عليه الكبر والعجز في نفس الوقت، وحاول يبتسم ويطبطب على كتفي وهو بيقول: “رفعتي رأسنا يا بنتي.. أنا كنت عارف إنك قدها.”
بصيت للورد الأبيض، وبصيت لإيده اللي على كتفي، وشلتها بهدوء وابتسامة باردة:
“الله يبارك فيكم.. بس أنا مأخرة شفت الشغل بتاعي في الكافيه، ولازم أمشي. شكرًا على الورد.”
لفيت ضهري ومشيت وسط زمايلي اللي كانوا بيحتفلوا بيا، وأنا شايلة شهادتي وكرامتي في إيدي.. ومستقبلي اللي بنيته بنفسي، ومحدش ليه جميله عليا فيه غير ربنا.
ركبت الميكروباص وأنا باصة من الشباك على طريق المحور، ماسكة شهادتي في كأني ماسكة حتة من روحي. الدموع اللي حبستها أربع سنين نزلت أخيراً، بس مكنتش دموع وجع.. دي كانت دموع النصر، دموع البنت اللي حفرت في الصخر وضوافرها اتجرحت عشان تقف الطوق ده.
وصلت الكافيه، دخلت من الباب والمدير وزمايلي في الشغل فاجئوني بزينة صغيرة وتورتة مكتوب عليها “مبروك يا دكتورة”. كلهم كانوا عارفين سحلي وتعب السنين دي. لبست المريلة بتاعتي وبدأت أشتغل، بس المرة دي وأنا راسي في السماء، حاسة إن كل زبون بناوله فنجان القهوة بيشوف في عيني لمعة نجاح مش هتنطفي أبداً.
على الساعة 9 بالليل، تليفوني رن. كان رقم أبويا.
رديت بهدوء: “أيوة يا بابا”.
صوته كان متغير، مكنش فيه النبرة الحادة ولا الأوامر بتاعت زمان، كان صوت حد مكسور بيحاول يلم الباقي من هيبته: “أنتِ فين يا بنتي؟ احنا مستنيينك في البيت.. عملتلك أكل بتحبيه، وعايزين نقعد معاكي ونفرح بيكي بجد”.
أخدت نفس طويل وقلتله: “شكراً يا بابا، بس أنا مش هقدر آجي. أنا نقلت حاجتي كلها من سكن المغتربات لأوضة تانية قريبة من الشغل الجديد اللي هبدأ فيه الأسبوع الجاي كمعيدة في الجامعة ومحللة اقتصادية في شركة كبيرة”.
سكت لثواني، وكأنه مش مستوعب إن البنت اللي قال عليها “هتتصرف” اتصرفت فعلاً لدرجة إنها مبقتش محتاجاه. قال بصوت : “يعني إيه؟ مش هتيجي بيتك؟ مش هتقعدي وسط أهلِك؟”
قلتله بمنتهى الأدب والجفاء: “البيت ده أنا خرجت منه من أربع سنين لما حدفتلي الجواب وقلتلي إنك مش مستعد تستثمر فيا. أنا يومها مشيت، وربنا هو اللي تولاني. الاستثمار بتاعك نجح النهاردة يا بابا.. منى اتخرجت، فروحوا افرحوا بيها. أنا خلاص، استثمرت في نفسي وبقيت صاحبة عمري”.
قفلت السكة قبل ما أسمع رده. مكنش قصدي ، بس كان لازم يفهموا إن الخواطر ليه تمن، وإن في حاجات لما جوانا مبيحييهاش بوكيه ورد ولا كلمتين حلوين في وقت مصلحة.
حطيت التليفون في جيبي، وبصيت لنفسي في مراية الكافيه. البنت اللي كانت واقفة قدامي مكنتش خايفة ولا شايلة هم بكرة. كنت شايفة إنسانة قوية، مأمنة بـ إن اللي معاه ربنا مبيلويش دراعه حد، وإن السعي الحلال والكرامة هما الرهان الوحيد اللي عمره ما يخسر.
بعد تلات سنين من اليوم ده، الدنيا لفت لفة مكنش حد يتوقعها.
كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة الاستثمارية الكبيرة اللي بقيت مديرة قسم التحليل المالي فيها، جمب شغلي كمعيدة في الجامعة. التكييف شغال، وقدامي لابتوب أحدث موديل، والقهوة بتنزلي بميعاد. افتكرت اللاب توب القديم والمكسور بتاع منى اللي بدأت بيه، وابتسمت وأنا بحمد ربنا في سري على كرمه وعوضه.
الباب خبط، والسكرتيرة دخلت وقالتلي بصوت واطي: “يا دكتورة، في واحد بره اسمه سيف الدين.. بيقول إنه والدك، ومعاه بنت. مفيش معاهم ميعاد بس هو تعبان جداً وبيترجاني يدخل يشوفك دقيقتين.”
قلبي دق بسرعة، بس ثبت نفسي وقلت لها: “دخليهم يا ياسمين.”




