منوعات

رهان العمر

الحفاضات والمصاريف اللي مابتخلصش، وبنام ربع ساعة وأصحى عشرة.
وفي يوم، الفجر، وهو في الحمام، موبايله نور على التربيزة.. رسالة بتقول وحشتني أوي، إمبارح كان يوم مايتنسيش.. الرقم مكنش متسجل، كان محطوط مكانه قلب أحمر.
لما واجهته، حتى مكلفش نفسه يكدب.. قالي وهو بيلبس قميصه بمنتهى البرود اسمها ندى، عندها 18 سنة.
حسيت إن الأرض بتتهد بيا.. قولتله بتبعني أنا وابنك اللي لسه مولود عشان عيلة لسه بتقول يا هادي؟. ضحك ببرود وقالي ماتعمليش دراما يا كريمة، أنتي خلاص كبرتي وراحت عليكي، وأنا لسه عاوز أعيش حياتي.
لساني اتلجم.. بص للسرير اللي فيه ياسين نايم ولا حاسس بحاجة وقالي الجملة اللي فضلت محفورة في قلبي 15 سنة وبعدين، ابن الست العجوزة اللي زيك، آخره يعني هيطلع إيه؟ أكيد مش هيفلح في حاجة.
بعد يومين، مشي.. مخدش معاها ذكريات ولا صور، خد بس قسوة قلبه والشويه اللي فاضلين من كرامته. وسابني أنا مع طفل ملوش ذنب، وديون، ونار في قلبي
مابتطفيش.
وزي ما يكون الوجع مكنش كفاية، ندى دي نزلت صورتها معاه وهي حضناه وكاتبة أخيراً مع اللي عارف قيمة الحياة بجد.
مكنتش عارفة إن الدنيا دوارة، وإن اللي هيحصل بعد سنين هيرد لي حقي تالت ومتلت..
عدت السنين، والوجع اللي كان في قلبي اتحول لطاقة تهد جبال. كنت بشتغل ورديتين، مرة ممرضة في مستشفى ومرة في البيوت، عشان أوفر لياسين أحسن تعليم. كنت بشوفه بيكبر قدام عيني، ذكي، وهادي، ونفسي أعوضه عن الأب اللي رماه وهو لسه لحمة حمراء.
أما محمود، فكنت بسمع أخباره من بعيد لبعيد. فتح شركة مقاولات صغيرة مع ندى، وبدأوا يعيشوا حياة المنظرة والقروض، وكان دايماً يتباهى قدام الناس إنه جدد شبابه وإن حياته بقت كلها خروجات وسفر، ونسي تماماً إن ليه ابن في رقبتي.
مرت 15 سنة، وياسين بقى في أولى ثانوي، بس مكنش أي طالب.. كان نابغة في البرمجة والذكاء الاصطناعي. وفي يوم، جاتلي دعوة لحضور حفل تكريم كبير للمبتكرين الشباب على مستوى الجمهورية، ياسين كان من ضمن العشرة الأوائل.
روحت وأنا لابسة أشيك حاجة عندي، رغم بساطتها، وكنت حاسة إني طايرة من الفرحة. دخلت القاعة الكبيرة، وفجأة عيني جت عليه.. محمود!
كان واقف هناك، شعره شاب وبان عليه العجز رغم محاولاته إنه يبان
شباب، وجنبه ندى اللي كانت لابسة فستان مبالغ فيه وواقفة بتبص للناس بتعالي. عرفت بعدها إن شركته كانت الراعي الرسمي لفقرة صغيرة في الحفل عشان يحسن صورته قدام المستثمرين.
بدأت المراسم، والمذيع طلع وقال ودلوقتي مع الجائزة الأولى لأفضل مشروع تكنولوجي هيغير مستقبل الصناعة في مصر، الطالب ياسين محمود الصاوي.
القاعة كلها وقفت تسقف. محمود اتسمر مكانه، الكوباية وقعت من إيده اتكسرت ميت حتة. ندى بصتله بذهول وقالتله بصوت واطي سمعته وأنا قريبة منهم مش ده ابنك اللي قولت عليه غبي ومش هيفلح؟.
ياسين طلع على المسرح بطلته الواثقة، وبص في القاعة لحد ما عينه جت في عيني وابتسم. المذيع سأله تحب تقول كلمة بمناسبة النجاح العظيم ده؟.
ياسين مسك المايك وقال بكل هدوء النجاح ده مدين بيه لشخص واحد بس.. الست اللي الكل قال عليها إنها كبرت، والست اللي
شالت الحمل لوحدها ووثقت فيا لما أقرب الناس ليا استهزأ بيا قبل ما يعرفني. الجائزة دي ليكي يا أمي.
في اللحظة دي، محمود حاول يقرب من المنصة، يمكن كان عاوز ينسب النجاح لنفسه أو يظهر في الصورة، بس ياسين كمل كلامه وعاوز أقول شكراً لأي حد سابنا في نص الطريق، لولا قسوتكم، مكنتش هعرف أبقى الراجل اللي واقف قدامكم ده اليوم.

كل اللي بناه محمود

مع ندى من برستيج ومنظرة كدابة انهار في تلات ثواني. الناس بدأت تتهامس وتعرف الحكاية، وهو واقف وسط القاعة مكسور، عينه في الأرض، مش عارف يهرب فين من نظرات الشفقة واللوم اللي حواليه.
خرجت من القاعة وأنا ماسكة إيد ابني، ابن الست اللي كبرت اللي طلع أذكى وأرجل من أبوه بمراحل. بصيت ورايا لآخر مرة، وشفت محمود لوحده، ندى سابته وخرجت متعصبة من الفضيحة، وهو واقف وسط حطام كدبته، عرفت وقتها إن ربنا مبيسيبش حق حد، وإن الرد الحقيقي مبيجيش بالخناق، بيجي بالنجاح اللي بيكسر العين.
شروق خالد
محمود فضل واقف مكانه زي الصنم، والناس حواليه بتبص له بصات كلها احتقار بعد ما القصة اتكشفت في لحظة. ندى لما لقت المنظر كدة، ومحمود بقى شكله وحش قدام رجال الأعمال والناس المهمة، سحبته من إيده وخرجوا بسرعة من القاعة وهي بتبرطم وتلومه إنه حطها في الموقف ده.
بعد الحفلة بكام يوم، الجرس ضرب. فتحت لقيت محمود واقف قدام الباب. كان باين عليه الكبر فجأة، لبسه غالي بس عينه مكسورة.
بص لي بتردد وقالي كريمة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ياسين وصل لكل ده.. أنا فخور بيه.
ضحكت ضحكة وجع ممزوجة بقوة وقولتله فخور بيه بصفتك إيه؟ الراجل اللي رماه وهو عنده تلات أسابيع؟ ولا

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى