
احتضنها أرماندو وهي تنهار مرتجفة كأن عمرا كاملا تراكم في جسدها. أربعون عاما من الأسئلة من الشك في كونها محبوبة أو متروكة. وإذا بالحقيقة تظهر كانت أمها البيولوجية موجودة ولم تكن موجودة فحسب بل بنت بيتا سريا تطل به على حياة روزا وتنتظر في صمت.
في الصندوق رسالة طويلة بعنوان تاريخ العائلة. قرأها أرماندو بصوت عال لأن روزا لم تستطع الإمساك بالورق دون أن تبلله دموعها. روت سوليداد سنوات الجفاف والجوع والبطالة وألم عدم توفر الحليب لثلاثة أطفال. روت زيارة الأخصائي الاجتماعي وعرض التبني.
روت القرار الأقسى والأكثر حبا أن تسلم أبناءها ليعيشوا ليكون لهم مستقبل. وذكرت شرطا واحدا أن تبقى في المدينة نفسها لتراهم يكبرون من بعيد بلا تدخل احتراما للاتفاق.
تدفقت إلى ذاكرة روزا ومضات امرأة تجلس في آخر القاعة في حفلات المدرسة ابتسامة تتكرر في الكنيسة متبرعة مجهولة دفعت جزءا من رسوم دراستها. أشياء بدت مصادفات في الطفولة وصارت الآن قطعا مكتملة.
كشفت الرسالة أمرا آخر كانت سوليداد قد رأت أزمة روزا الأخيرة وشهدت الإخلاء ورأت الأبناء يديرون ظهورهم فتركت دلائل تقودها إلى البيت حين تكون في أشد الحاجة. لم يكن شيء مصادفة.
تنفست روزا بعمق لأول مرة منذ سنوات
أمي كانت تحبني كانت تحبني دائما.
أمضيا أياما في البيت يقرآن الرسائل ويلمسان الأشياء ويشعران بأن شيئا نائما يستيقظ في روزا. وفي غرفة خفية خلف رفوف عثرا على أرشيف سري قصاصات صحف وصور الأبناء الثلاثة ووثائق وثلاثة صناديق صغيرة بأسماء. في صندوق روزا كانت ذمية قماشية. أمسكتها روزا وتعرفت إليها دون أن تدري كيف كأن الجسد تذكر قبل العقل.
ثم وجدا يوميات كشفت أن روزا لم تسلم للتبني رضيعة بل في سن عامين ونصف. قرأت السطر فانكسر قلبها انكسارا مختلفا لذلك بدا البيت مألوفا ولذلك جاءت الأحلام ولذلك كان إحساس البيت.
احتواها أرماندو
بصمت فالحب أحيانا لا يحتاج كلمات.
جاء الدور على
الإخوة. تركت سوليداد عناوين وأرقاما. ترددت روزا كانت تخشى الرفض وقد ذاقته من قبل. لكنها أدركت أمرا جديدا العائلة قد تتأخر لكنها قد تأتي حين نقرر البحث. اتصلت بالأول.
ألو
رجاء لا تغلق الخط. اسمي روزا راميريز وأحتاج أن أتحدث عن أمك البيولوجية.
ساد صمت ثقيل.
وكيف تعرفين ذلك
لأنها كانت أمي أيضا. نحن إخوة.
انتهت المكالمة بوعد بالزيارة. كانت المكالمة الثانية أصعب كان رافائيلالذي عرف لاحقا باسم خافييرمتشككا وحادا. قالت له روزا إنها سترسل الوثائق والصور وأصرت بالصبر لا بالغضب.
في نهاية الأسبوع جاء إدواردو. حين رأته ينزل من السيارة شعرت روزا بعاطفة لا تشبه شيئا آخر كأنها تتعرف إلى وجه لم تره قط. وحين تعانقا ألغى الشبه أي شك. قرأوا الرسائل ساعات طويلة وتحدثوا عن طفولات مختلفة بجذر واحد.
وبعد وقت جاء رافائيل
أيضا. انكسر تشككه حين وطئ البيت ورأى بعينيه عمل أبوين أحبا في صمت. سار الإخوة في الأنفاق كمن يجوب ذاكرة.
ثم اكتشاف جديد غرفة تبدو مستعملة حديثا. ملابس نظيفة مؤونة طازجة سىرير مرتب.
كان هنا أحد قريبا قال رافائيل.
خفق قلب روزا خفقة انتظار طفولي. قرروا الترقب. وفي إحدى الليالي سمعت خطوات في النفق. رفع إدواردو الفانوس. ظهرت هيئة صغيرة منحنية تحمل كيسا.
من هناك سألتهاجسا.
أضاء الضوء وجهها شعر أبيض وشال وعينان تحملان عقود انتظار. شعرت روزا بانقطاع النفس.
سوليداد همست كأن الروح سبقت اللسان.
سىقط الكيس من يد المرأة
ألبرتو
لا يا أمي قال إدواردو دامعا أنا إدواردو. لكنك تعرفينني باسم ألبرتو ابنك.
أسندت سوليداد نفسها إلى الجدار كأن الجسد لا يحتمل هذا الفرح. وحين هرعت روزا ورافائيل كان عناق الأربعة مشهدا يفوق الكلمات
أبناء يحتضنون أما أحبت من الظل وأم تلمس وجوها طالما تخيلتها ليلا.
شرحت سوليداد أن الرسائل كانت وصايا احتياطا لاعتلال صحتها. وأن ألبرتو زوجها رحل العام السابق. وأنها بقيت هناك لا تخرج إلا لشراء الضروريات تنتظر تنتظر دائما.
كانت الأشهر التالية ولادة جديدة. بقيت روزا وأرماندو في البيت المنحوت لكنه لم يعد مخبأ صار بيتا. تناوب إدواردو ورافائيل على رعاية سوليداد. تعرفت إلى أحفادها وسمعت ضحكات أطفال تركض في ممرات الحجر ورأت أبناءها يتعاملون كإخوة لا كغرباء. عاشت أخيرا ما حلمت به.
ووصل أبناء روزافرناندو وبياتريس وخافييرواحدا بعد آخر يحملون الخجل على أكتافهم. لم يجدوا عقابا بل درسا. استقبلتهم روزا بكرامة. لم تتسول حبا بل أظهرت لهم أن الحب يعاد بناؤه ولا يشترى بالأعذار. ومع الوقت تعلموا الاقتراب على نحو مختلف
لا بوصفهم أصحاب ذنب بل أبناء بدأوا يفهمون أن الآباء ليسوا أثاثا قديما يترك حين يضيق المكان إنهم حكايات وتضىحيات غير مرئية.
رحلت سوليداد بسلام في صباح بارد محاطة بأحبتها. كانت كلماتها الأخيرة همسا
الآن أستطيع أن ألقى ألبرتو مطمئنة. لقد اكتملت مهمتنا.
ومنذ ذلك الحين لم يعد البيت المدفون سرا حزينا صار رمزا. أدركت روزاالتي سارت يوما بلا وجهة وحقيبة حمراءأن العودة إلى البيت لا تعني دائما عنوانا بل قد تعني العودة إلى حقيقة وإلى أصل وإلى حب انتظر عقودا ولم يتخل يوما عن كونه حبا.
وحين سئلت إن كانت تحمل ضغينة على السنين الضائعة كانت تنظر إلى الباب الخشبي الذي فتح حين أغلقت كل الأبواب الأخرى وتقول
الحب الحقيقي لا يحصي ما فقد بل يحصي ما يمكن العثور عليه على خلاف كل منطق. فمادام هناك قلب مستعد للعفو والمحاولة من
جديد فثمة دائما طريق للعودة.




