
لأ طبعاً مقدرش، أنتي عارفة معدتي بتقلب من الحاجات دي وبستفرغ على طول، أنتي أخدتي على كده وخلاص وبقيتي شاطرة فيها، ربنا يجعله في ميزان حسناتك بقى!”وافتكرت لما كنت أطلب من بنتها التانية تنضفلها مرة واحدة بس عشان ألحق أروح أزور أهلي، فترد حماتي بتمثيل متقن وصوت مريض مكسور: “لأ يا بنتي متخليش حد يلمسني غيرك.. أنا مش برتاح غير معاكي أنتي، إيدك خفيفة وحنينة وبناتي مبيعرفوش يخدموا زيّك، أنتي اللي بنتي بجد وربنا يباركلك في صحتك وعيالك.
“كنت أسمع الكلام ده وقلبي يدوب يحن ليها ، أقول لنفسي “ست كبيرة ومريضة ومكسورة الجناح، أكسر بخاطرها إزاي؟”، وأنسى تعبي ووجعي وأهمل نفسي وولادي عشان أريحها. افتكرت ريحة الكلور والمنظفات اللي بقت لازقة في جلدي ومبتروحش، وكرمشة إيديا وجفافها، وهدومي البسيطة المتبهدلة اللي نسيت معاها طعم إني ست زي باقي الستات.. في الوقت اللي كان ابنها بيشتري شقة أمه كاش، ويصرف دم قلبه على توضيب قصر لعروسته الجديدة، ويدلّعها ويفسّحها ويسيبني أنا الخدامة البديلة اللي بتشيل القرف والهم ببلاش، وهما كلهم متآمرين ورا ضهري ومستغفليني بكل خسة وندالة. مسحت دموعي بإيدي المرتعشة، وكتمت القهرة جوايا بعنف.
. مش وقته خالص إني أواجههم أو أص.رخ، الدموع والرخص ده خلاص م.ات، ومن اللحظة دي لازم أثبت وألعبها بذكاء عشان أرد كرامتي وصحتي اللي ضاعت هدر. قطع حبل أفكاري وذكرياتي صوت “ولاء” الرنان وهي بتنادي عليا من الصالة بكل تعالي وأمر، كأنها بتنادي على شغالة مأجراها باليومية:”إيه يا حكمت، أنتي نمتي في المطبخ ولا إيه؟ الغدا هيجهز إمتى؟ أنا واقعة من الجوع.. واعمليلي معاكي فنجان قهوة مظبوط عشان دماغي مصدعة.
“وقفت مكاني لثواني، أخدت نفس عميق حسيت معاه إن كل ذرة ضعف أو خوف جوايا اتبخرت وحل مكانها برود حديدي. غسلت وشي على الحوض ببطء، نشفته، وخرجت من المطبخ بخطوات هادية وثابتة. مشيت لحد ما وقفت قدامهم في نص الصالة. كانت ولاء قاعدة ممددة رجلها على الكنبة وماسكة الموبايل لسه، وحماتي ساندة ضهرها على المخدات وعينها عليا. بصيت لولاء بصه طويلة أوي.. نظرة متجردة من أي مشاعر، عينيا كانت بتتفحص ملامحها الباردة، وبتتفحص الشاشة اللي في إيدها اللي لسه بتشع بصور أخوها وعروسته.
النظرة طولت لدرجة خلت ولاء ترتبك وتنزل الموبايل بضيق وتقولي:”في إيه بتبصيلي كده ليه؟ ما تنطقي، مسمعتيش قولتلك إيه؟”نقلت نظرتي لحماتي اللي بدأت تبان عليها علامات القلق من سكوتي، ورجعت بصيت لولاء تاني. كانت ملامحي جامدة مفيهاش حتى رمشة عين، وطلعت الكلمات من بين شفايفي بنبرة حادة، هادية، وقاطعة زي حد السيف:
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
بره البيت صدمة خرست لسانهم الاتنين.. ولاء فتحت بقها ووقفت عيلها متنحتليش كأنها مش مصدقة اللي سمعته، وحماتي اتعدلت برعب وعينيها بتطلع شرار من قلة الأدب والجنان اللي في كلامي. قبل ما ولاء تلحق تفتح بوقها بكلمة استنكار أو شتيمة، كملت كلامي بصوت أثقل من الجبل ونظرة ما فيهاش ذرة هزار:
“بدل ما أنطق بحرف زيادة تندموا عليه، قدامك ساعة واحدة.. تلمي هدوم أمك وحاجتها وتنزلي بيها من هنا، ولو ماحصلش.. والله العظيم أجرها على السلم وأرميها برا البيت وسط الشارع، ويلا من هنا خليني ما أتشزئمش بوشكم!”
ولاء نطت من على الكنبة، وهي بتترعش من الغيظ، وطلعت تليفونها بسرعة بغضب وقالت:
“انتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة؟! وحياة أمك ما أنا ساكتة، ده أنا هخلي خالد يجي يمرغ شرفك الأرض ويرميكي أنتي وعيالك برا الشقة دي!”
جريت على التليفون وفتحت الخط وضربت رقم أخوها وهي بتعيط بصوت عالي وتصرخ:
“الحقنا يا خالد.. حكمت اتجننت وعايزة تطردنا أنا وماما في الشارع وبتقل أدبها علينا!”
مدت إيدها بالتليفون ناحيتي بغطرسة وقالت:
“خد كلم جوزك.. وريني شطارتك هتقولي إيه بقى!”
بصيت للموبايل، وبعدين رفعت عيني وبحركة سريعة ومقصودة.. مديت إيدي وزقيت الموبايل بعيد عن وشي بكل احتقار، ورجعت خطوة ورا وانا بقولها ببرود تام:
“جوزى ده خليه يفيد نفسه في شقته الجديدة اللي جابها لعروسته.. ميكلمنيش ولا أكلمه، والساعة بدات تِعدّ!”
خالد قفل السكة في وش أخته وهو مش مستوعب، وفي ثواني كان تليفوني أنا بيرن باسمه.. بصيت للشاشة اللي بتنور باسم “جوزي” بقرف واحتقار، وبحركة واحدة قفلت الخط في وشه وعملتله بلوك على كل حاجة، لغيت وجوده من حياتي بضغطة زرار.
ولاء شافت اللي عملته فاتجننت أكتر، وقفت تصرخ وتشتم بأبشع الألفاظ وفاكرة إن صوتها العالي هيرهبني. وفي لحظة واحدة، كل كبت وذل الشهور اللي فاتت انفجر جوايا طاقة غضب عمياء.. قربت منها في خطوتين، وبإيد قوية مليانة قهر مسكتها من شعرها بكل قوتي وجرتها ورايا وهي بتصرخ وتستغيث، وفتحت باب الشقة وزقتها بكل عزمي لبره، رمتها على بلاط السلم بهدوم البيت الخفيفة اللي كانت لابساها!
ولاء قعدت تصرخ على السلم وتخبط على الباب بهستيريا، لكن أنا مكنتش سامعة ولا شايفة غير رد حقي وكرامتي.




