
— بعد ما عرفت إنك متجوز عليها في السر، كانت مستنية إيه منك؟
حسيت إن نفسي اتقطع.
ماعرفتش أرد.
أمي كملت:
— الصور وصلتلها.
— صور إيه؟
— صور عقد الجواز.
رفعت عيني بسرعة.
— إيه؟!
— وصورك وإنت داخل الشقة معاها.
قعدت على طرف الكنبة.
قلبي كان بيخبط بعنف.
— مين بعتلها؟
أمي ردت:
— مش مهم مين بعتلها.
وبصتلي في عيني وقالت:
— المهم إن منى عرفت كل حاجة.
حاولت أتمالك نفسي.
— طب… وهي فين؟
أمي ضحكت بسخرية.
— مش هنا.
— راحت فين؟
— مشيت.
— يعني إيه مشيت؟
— أخدت كل حاجتها.
بصيت حواليا.
فجأة فهمت سبب الفراغ اللي في الشقة.
الدواليب اللي كانت مليانة هدومها بقت فاضية.
الترابيزة اللي كانت بتحط عليها حاجاتها اختفت.
حتى صورنا القديمة مش موجودة.
كأنها ما كانتش هنا أصلًا.
قلت بصوت متوتر:
— أكيد هترجع.
أمي هزت راسها.
— لا.
— إنتِ متأكدة منين؟
— عشان منى المرة دي ما سابتش حتى ورقة تقول إنها هترجع.
سكت.
وبعدين سألت:
— طب وإنتِ؟ مين كان بيهتم بيكي؟
وشها اتغير.
قالت:
— منى.
— وبعدين؟
— منى بطلت تيجي.
بدأ قلبي يقلق.
— ليه؟
أمي بصتلي وقالت:
— لأنها بطلت تدفع مصاريف علاجي.
اتجمدت.
— إيه؟
— العلاج اللي كنت باخده كل شهر.
— طب ما أنا هدفع.
ضحكت أمي بمرارة.
— إنت؟
— أيوه.
— إنت أصلًا عارف أنا باخد إيه؟
سكت.
ماعرفتش أجاوب.
قالت:
— عارف الدواء اسمه إيه؟
سكت أكتر.
— عارف ميعاد الجرعة؟
ولا كلمة.
— عارف الدكتور طلب مني أعمل إيه الأسبوع اللي فات؟
بصيت في الأرض.
أمي قالت:
— منى كانت عارفة كل حاجة.
كل حاجة.
مواعيد الدكاترة.
الأدوية.
العلاج الطبيعي.
الأكل.
حتى الفلوس اللي كانت بتتحول كل شهر.
وأنا كنت عايش أربع شهور مع مراتي التانية، وبقول لنفسي إن منى هتفضل مستنياني مهما حصل.
رفعت راسي وقلت بعناد:
— يعني إيه؟ سبعين ألف جنيه علاج في الشهر. هنقدر ندبرهم.
أمي بصتلي نظرة غريبة.
— لأ.
— لأ إيه؟
— المرة دي الموضوع مش فلوس بس.
سكت.
قربت مني بصوت واطي:
— إنت لسه فاكر إن منى زعلانة عشان جوازك؟
قلت:
— أمال زعلانة ليه؟
أمي مدت إيدها ناحية درج صغير جنبها.
طلعت ظرف أبيض.
وحطته قدامي.
— افتحه.
بصيت للظرف.
ما كنتش عارف إن الورقة اللي جواه…
هتخليني أفهم إن الأربع شهور اللي قضيتهم بعيد عن بيتي ما كانواش مجرد خيانة لمراتي الأولى.
كانوا بداية مصيبة أكبر بكتير.
ومنى…
كانت مخبية عني حاجة أنا عمري ما توقعت إنها تعرفها.
مسكت الظرف الأبيض وإيدي بتترعش، الورقة جوه كانت بتطقطق من قوة العصرة اللي عصرتها على أطرافها. بصيت لأمي، عينيها كانت ثابته عليا بنظرة مش مفهومة، مزيج من الشفقة والشماتة الخفية، وكأنها بتقولي “دوق من نفس الكأس”.
فتحت الظرف ببطء.
جواه كان فيه كشف حساب بنكي كامل، وبرينت مفصل من سجلات الشركة اللي أنا شغال فيها، ومعاهم ورقة مطبوعة من مكتب محامي شهير. عينيا كانت بتجري على السطور بلهفة وعرق بارد بدأ ينزل من قورتي رغم التكييف المطفي والحر اللي في الشقة.
أول حاجة لمحتها كانت أرقام التحويلات المالية.
كل شهر.. كان فيه مبالغ ضخمة بتتحول من حساب منى الشخصي لحساب شركتي أنا. تحويلات باسم “دعم سيولة”.
بلعت ريقي بصعوبة وأنا بقلب الصفحة.
المشروع اللي أنا اقنعت نفسي إني مسافر إسكندرية عشان أديره؟ المشروع اللي كنت بفهم أمي إنه مصدر ثروتي الجديدة واللي خلاني أرقص بالفلوس وأشتري ساعتين بـ 120 ألف جنيه لهدى؟
المشروع ده ما كانش تمويل من الشركة ولا حاجة..
المشروع ده كان بتمويل كامل من منى!
صوتي خرج واطي ومخنوق، كأني بطرد آخر نفس في صدري:
— إيه ده يا ماما؟ الفلوس دي.. دي فلوس شغل الشركة!
أمي أخدت نفس طويل وطلعت الآه من نفوخها:
— شركة إيه يا أحمد؟ إنت فاكر نفسك عبقري وإداري فذ؟ الشركة بتاعتك كانت على وش إفلاس من ست شهور. منى هي اللي راحت لباباك الله يرحمه قبل ما يموت، وأخدت منه التنازل عن نصيبها في الشقة القديمة ورهنت دهبها كله، وراحت للبنوك ضمت حسابها لحسابك عشان يدوك القرض! منى هي اللي كانت بتدفع أقساط المعدات والمرتبات من ورث أبوها اللي سابهولها!
وقفت فجأة والظرف وقع من إيدي على الأرض.
— لأ.. لأ الكلام ده مش صح! منى ما معهاش المبالغ دي كلها! منى كانت بتقولي إنها بتدخر من مصاريف البيت!
ضحكت أمي ضحكة المرة دي صدى صوتها هز جدران الصالة الفاضية:
— بتدخر من مصاريف البيت؟ إنت مصدق نفسك؟ إنت كنت بتديها خمس تلاف جنيه في الشهر للمصاريف، وتيجي أخر الشهر تطلب منها عزومات ومظاهر قدام أهلك! منى كانت بتشتغل أونلاين من وراك في الترجمة، كانت بتسهر للصبح بعد ما إنت تنام، وبتشغل فلوس ورثها في البورصة مع أخوها، عشان بس لما إنت تقف في أزمة، تلاقي اللي يسندك من غير ما تجرح كبرياءك وكرامتك كرجل!




