عام

قصة أربعة توأم

الست الوحيدة اللي حبيتها بجد.
الست اللي اختفت من حياتي من ست سنين من غير تفسير.
الست اللي أمي قالتلي إنها سابتني بإرادتها.
الست اللي فضلت طول السنين دي أكره نفسي لأني صدقتها.
بصيت في عينيها.
نفس العينين الخضرا اللي مستحيل أنساها.
نفس الندبة الصغيرة فوق حاجبها.
همست
منى؟
وشها اتغير.
ماكانش فيه فرحة.
ولا حتى .
كان فيه خوف.

لفت بسرعة ناحية الأطفال.
ياسين يونس يوسف يحيى تعالوا هنا.
لمّتهم حواليها في ثواني، كأنها كانت مستعدة للهروب في أي لحظة.
خرجنا للشارع.
الهوا كان ساقع جدًا.
والأطفال واقفين جنب شنط سفر قديمة.
شنطتين بس.
وشنطة أطفال سيرها مقطوع.
بصيت لهم.
ياسين كان ماسك في هدوم أمه.
يونس كان بيشد شنطته.

يوسف كان مركز مع أزرار بدلتي.
ويحيى
كان لسه باصص في وشي.
كأنه عارف حاجة أنا لسه ماعرفتهاش.
طلعت كارت شقة فاضية عندي.
مديته لمنى.
خدي الولاد وروحي هناك.
بصت للكارت وكأنها شافت فيه حاجة تخوف.
لأ.
منى، الولاد بردانين.
قلت لأ.
أنا مش هسألك أي حاجة النهارده.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة ۏجع.
إنت مش فاهم.
أفهم إيه؟
قربت مني خطوة.
وقالت بصوت واطي
إنت مش من حقك تظهر بعد ست

سنين وتتصرف كأنك أبوهم.
الكلمة نزلت عليا كأنها

.
بصيت للأربعة.
وبعدين رجعت بصيت لها.
أنا مش بقول إني أبوهم.
سكت لحظة.
وبصيت ليحيى، اللي كان واقف قدامي بنفس نظرتي تقريبًا.
أنا بس عايز أفهم ليه ولادك الأربعة شبهّي.
وشها شحب.
وفي اللحظة دي، ياسين مسك إيد أمه وقال
ماما إحنا لازم نمشي قبل ما هو يعرف.
اتجمدت.
يعرف إيه؟ سألت.
منى بصت لابنها بسرعة.
ياسين!
لكنه سكت.
أما أنا
فما بقيتش قادر أتنفس.
بعدها بدقائق، ركبت العربية واتصلت بمساعدتي.
نجلاء، ألغِي كل حاجة الليلة دي.
كل حاجة؟ حتى حفلة الخطوبة؟
أيوه.
بس والدتك وصلت، والضيوف بدأوا يدخلوا!
مش فارق.
قفلت المكالمة.
أنا لسه ماكنتش متأكد إن الأطفال دول ولادي.
لكن كنت متأكد من حاجة واحدة
أنا مش هتجوز داليا.

مش قبل ما أعرف الحقيقة.
مش قبل ما أعرف ليه منى اختفت ست سنين.
ومين اللي أقنعني إنها هي اللي سابتني.
ومين اللي خبّى عني أربعة أطفال بالشكل ده.
وفجأة
موبايلي اهتز.
بصيت للشاشة.
أمي.
اتصلت مرة.
ما رديتش.
اتصلت تاني.
برضه ما رديتش.
ولما اتصلت للمرة التالتة
ظهر على الشاشة اسمها، وتحت الاسم رسالة واحدة منها
كريم لو قابلت منى، ما تثقش في أي كلمة هتقولها لك.
فضلت باصص للرسالة ثواني.

وبعدين رفعت عيني على الأربعة أطفال.
لأن لأول مرة
بدأت أشك إن أمي كانت بتخبي عني أكتر بكتير من مجرد سبب اختفاء منى…
الفصل الأول ظلال الماضي في مرآة الحمام
البرودة اللي كانت واخدة ركني في حمام المطعم ماكنتش مجرد ساقعة تكييف، دي كانت برودة خوف حقيقي بيسري في العظم. المراية قدامي ماكنتش بتعكس شكلي لوحدي، دي كانت بتعكس تاريخ كامل ضاع واتزور في غفلة من الزمن.
أربعة أطفال، في سن السادسة تقريبًا، واقفين قدامي بنفس التفاصيل الدقيقة كأني واقف قدام شاشة عرض بتلعب شريط ذكرياتي وأنا طفل. العيون الرمادي المائلة للازرق، اللي دائمًا الناس كانت بتقولي إنها ميزة وراثية نادرة خدتها من جدي. الغمازة الشمال اللي بتظهر أول ما ببتسم ابتسامة باهتة. شكل الفك الحاد شوية، وحتى الحركة العصبية القديمة إن أربع صوابع تلمس مؤخرة الرقبة وقت التوتر.
ياسين، يونس، يوسف، ويحيى.

الأسماء دي نطقتها منى قبل كده كتير في أحلامي القديمة، أو يمكن كنت بحلم بيها وقت ما كانت لسه في حياتي، قبل ما تختفي بالكامل.
طلعت من المطعم وراهم، وركبت عربيتي. الهواء الليلة دي في القاهرة كان جاف ولاذع، كأنه بينذر بعاصفة مش مجرد برودة شتاء عادية. منى كانت واقفة بعيد شوية تحت لمبة الشارع الصفراء، ملامح وجهها باهتة ومرهقة كأن سنين الشقاء كلها اتحفرت تحت عينيها. الندبة الصغيرة اللي فوق حاجبها الشمالاللي سابتها حاډثة قديمة واحنا في الجامعة واحنا بنشتري أول شجر كريسمس مع بعضكانت واضحة تحت النور الضعيف.
قربت منها أكتر، والولاد كانوا حواليها زي عصافير خاېفة من صقر.
منى، أرجوكِ، اسمعيني. مش هينفع تمشوا كده في نص الليل ومعاكم أربعة أطفال تعبانين. أنا عارف إن بيننا حسابات قديمة وإن أمي ممكن تكون قالت كلام…
قطعتني بصوتها اللي كان جاف وحاد، بس كان فيه رجفة واضحة تفضح إنها بتتحمل فوق طاقتها
أمك ما قالتش كلام يا كريم أمك عملت فعل.
الكلمة دي نزلت على دماغي زي الصاعقة. عقلي وقف عن الاستيعاب.
قصدك إيه؟ أمي عملت إيه؟
مش هحكي لك في الشارع وتحت السقعة دي والولاد بيدروا من البرد. لو لسه فيك عرق من الإنسان القديم اللي حبني بجد قبل ما فلوس عيلتك تغطّي على قلبك، خد الولاد وأنا، وبعدين نتكلم.
الفصل الثاني  الأسرار القديمة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى