قصص و روايات

هدية الزفاف – محمد نور

مجموعة «الشروق للضيافة» كانت تملك القاعة التي نقف فيها الآن. كما تملك الفندق الملحق بها، وثلاثة منتجعات ساحلية، وناديين خاصين، وأحد عشر مجمعاً سكنياً، والمقر الرئيسي الذي تشغله «شركات العمري للتطوير».

وهذا التفصيل الأخير كان الأكثر أهمية.

فقد استأجرت شركة عائلة «العمري» خمسة طوابق في أحد مبانينا لمدة تسع سنوات متواصلة. وقضوا العقد الماضي وهم يقدمون أنفسهم كأصحاب إمبراطورية، بينما يتجاهلون الاسم المطبوع في أسفل كل إيصال دفع للإيجار: *عقارات الشروق* — وهي شركة تابعة لـ *مجموعة الشروق للضيافة*.

شركتي أنا.

حدقت «أمل» في الشهادة: «لقد نقلتِ ملكية هذا إليّ؟».

«ليس بالكامل.»

«كم النسبة؟»

«واحد وخمسون بالمائة من أسهم التصويت.»

عمّت الهمسات أرجاء القاعة.

وقف والد «خالد» ببطء: «يا “ليلى”، ربما يجدر بنا مناقشة هذه الأمور في جلسة خاصة.»

«لا.»

تشنجت ملامح وجهه: «هذه مسألة شركات جادة.»

«وكانت مسألة جادة أيضاً عندما بدأت عائلتك في وضع الخطط بناءً على افتراضهم أن ابنتي بلا سند أو مال!».

اقترب «خالد» من «أمل»: «أعطيني المجلد.»

نظرت إليه. كان الطلب هادئاً، تقريباً بطريقة عادية؛ نفس النبرة التي يستعملها عندما يتوقع منها الانصياع دون أن يظهر تسلطه أمام الآخرين.

ضمت «أمل» المجلد إلى : «لا.»

تلك الكلمة الواحدة غيرت مجرى الأحداث في القاعة أكثر من أي شيء قلته.

حدق «خالد» فيها: «ماذا؟».

«قلتُ: لا.»

نهضت «سعاد» من مقعدها: «أمل، يا حبيبتي، “خالد” بات زوجك الآن. عليكِ أن تسمحي له بمراجعة الوثائق القانونية التي تؤثر على زواجكما.»

قلتُ: «الأسهم لا تؤثر على الزواج.»

نظر إليّ «عبد العزيز» بحدة: «ما هي الحمايات القانونية التي وضعتها؟».

«كل الحمايات الضرورية.»

تجهّم وجه «خالد»: «ماذا تقصدين؟».

«الأسهم ممسوكة عبر صندوق أمانة مستقل تم تأسيسه قبل المراسم. “أمل” هي المستفيدة الوحيدة والمتحكمة الحصرية بأصواتها. وهي ليست ملكية مشتركة، ولا يمكن رهنها لضمان أي ديون، ولا يحق لأي زوج ممارسة أي سلطة عليها.»

تجمدت ملامح «سعاد».

كانت تتوقع أموالاً، ولم تكن تتوقع هيكلاً قانونياً.

فطوال العام الماضي، كانت تسألني بأساليب ملتوية عن تركتي؛ تسأل عما إذا كنتُ أنوي مساعدة «أمل» و«خالد» في شراء منزل أكبر، أو ما إذا كانت «أمل» ستورث ما يكفي لتترك عملها، وهل الأصول مسجلة بأسماء شخصية أم شركات. كانت كل تلك الأسئلة تأتي متنكرة في ثوب الاهتمام. وكنتُ أجيب بالعموميات، فالسرية حمتنا أفضل من المواجهة.

نظر «خالد» إلى «أمل»: «هل كنتِ تعلمين بهذا؟».

«لا.»

التفت إليّ: «منحتِ زوجتي ملكية السيطرة دون مناقشة الأمر معي؟».

«نعم.»

«أنا زوجها!»

«منذ أقل من ثلاث ساعات فقط.»

أخفض بعض الحضور رؤوسهم لإخفاء ابتساماتهم. وسَمِعَهم «خالد»، فازداد وجهه قتامة.

خطت «سعاد» نحو الأمام: «يا “ليلى”، لا أحد ينكر نجاحكِ، لكن هدية بهذا الحجم ترتب مسؤوليات ليست “أمل” مستعدة لإدارتها.»

رفعت «أمل» رأسها: «أنا حاصلة على ماجستير في إدارة العمليات.»

ابتسمت لها «سعاد» باصطناع: «الشهادة تختلف عن القيادة يا عزيزتي.»

ردت «أمل»: «لقد أدرتُ ثلاث عيادات غير ربحية.»

«كموظفة إدارية!»

«بل كمديرة تنفيذية.»

قاطعهم «خالد»: «كفى!».

التفتت «أمل» إليه، فخفض صوته وقال: «لا تجادلي أمي أمام الجميع.»

لثانية واحدة، بدت ابنتي كما كانت وهي تحمل زي الخادمة… ثم تغير شيء ما. ربما كان المجلد بين يديها، أو ربما حقيقة أن الجميع قد شهدوا الإهانة بالفعل، وأن الخزي حين يتجاوزه المرء علناً يفقد بعضاً من سلطته.

قالت «أمل»: «هي من جادلتني أولاً.»

تشنج فك «خالد»: «سنتحدث عن تصرفاتكِ لاحقاً.»

تبادل عدة ضيوف نظرات ذات معنى؛ كانت العبارة تكشف الكثير. ولاحظ هو ذلك فوراً، فحاولت والدته تدارك الموقف: «ما يعنيه “خالد” هو أن حديث العروسين يحتاج إلى الخصوصية.»

ردت «أمل»: «بل يعني أنه يخطط لتصحيحي ومعاقبتي حين نكون بمفردنا!».

ضحك «خالد» ساخراً: «أنتِ تصنعين دراما لأن والدتكِ خططت لهذه المسرحية!».

نظرتُ نحو زي الخادمة الرمادي: «أنا لم أخطط لوضع ذلك الشيء هناك.»

اختفت ابتسامة «سعاد» كلياً.

في هذه الأثناء، اقتربت مديرة القاعة، «كريمة»، والتي عملت في مجموعتنا لأكثر من أربعة عشر عاماً. كانت ترتدي بذلة سوداء وتحمل لوحاً إلكترونياً، ووقفت بجانبي: «أستاذة “ليلى”، فريق الأمن على أتم الاستعداد.»

حدق بها «خالد»: «مستعدون لماذ؟».

نظرتُ إلى «أمل»: «هناك وثائق إضافية داخل المجلد.»

فتحته «أمل» مجدداً.

تحت شهادة النقل، كانت هناك نسخة من عقد اتفاق ما قبل الزواج.

تحدثتُ بثبات: «النسخة الأصلية للاتفاقية؟ أم النسخة التي حاول محامي عائلتكم استبدالها بالأمس؟».

عادت القاعة للجمود والصمت.

تحركت عينا «أمل» بسرعة بين الصفحات: «أي نسخة مستبدلة؟».

يتبع …….

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى