عام

فوقت في العناية المركزة

ثم…
أغلق الخط.
نهى رفعت حاجبها.
عرفتي توصليله.
ندى قالت
لأنه فهم إني عرفت كل حاجة.
بعد ساعتين، المحاسب القانوني اتصل.
أستاذة ندى… في مشكلة.
إيه؟
ندى أغمضت عينيها.
أول مرة تحس إن اسمها له وزن.
وفي المساء…
وصلها إشعار من البريد الإلكتروني.
تم إرسال طلب عقد جمعية طارئة للشركاء.
ابتسمت.
كانت تعرف إن أحمد بيحاول ينقذ نفسه.
لكن اللي ميعرفوش…
إن النسخة الوحيدة الأصلية من كل العقود والفواتير كانت محفوظة في مساحة إلكترونية، بكلمة مرور لا يعرفها غيرها.
ولما فتحت آخر مجلد.. .
ظهر أمامها مستند بعنوان
عقد بيع الحصة.
لكن الغريب…
إن العقد كان مؤرخًا قبل أسبوعين.
وفي خانة البائع…
كان مكتوب اسمها.
أما التوقيع الموجود أسفل الصفحة…
فكان يحمل اسم ندى…

ثواني طويلة.
كل اللي كانت سامعاه هو صوت جهاز القلب.
بيب…
بيب…
بيب…
لكن المرة دي، قلبها ما ارتعش.
كبرت الصورة.
بصت على حرف النون.
وبعدين الدال.
وبعدين الخط اللي كانت دايمًا بترسمه تحت اسمها.
مش توقيعها.
تقليد…
لكن فيه غلطة صغيرة.

غلطة محدش غيرها يلاحظها.
همست
زوروه…
المحامية نهى أخدت اللابتوب بسرعة.
فضلت تقلب في الصفحات، وبعدين قالت
الحمد لله إنه اتبعتلك قبل ما يتنفذ.
ندى سألتها
يعني إيه؟
يعني كان ناوي ينقل حصتك لشخص تاني، ويستخدم توقيع مزور. لو العقد ده اتسجل، كانت هتدخلي في قضية سنين علشان تثبتي إنه مزور.
ندى ابتسمت ببرود.
يبقى استعجل.
نهى طلعت موبايلها على طول.
هقدم بلاغ تزوير دلوقتي، وكمان طلب بمنع أي تصرف في أسهم الشركة لحين انتهاء التحقيق.
بعد أقل من ساعة…
أحمد وصل الشركة.
كان وشه شاحب.
دخل مكتب المدير المالي وهو بيزعق
العقد فين؟
المدير رد بهدوء

اتجمد.
أحمد صرخ
مين جمده؟!
الأستاذة ندى.
أول مرة يحس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
خرج يجري ناحية مكتب المحامي بتاع الشركة.
لكن أول ما فتح الباب…
لقى موظف المحكمة واقف.
سلمه ظرفًا رسميًا.
فتح الظرف بإيد مرتعشة.
دعوى مدنية.
بلاغ تزوير.
وطلب تحفظ على الأصول.
قعد على الكرسي وهو مش مستوعب.
تمتم
مستحيل…
في نفس الوقت…
موبايل ندى رن.
كانت أمها.
للمرة التمنتاشر.
المرة دي ردت.
أول ما فتحت الخط، سمعت أمها بتعيط.
يا بنتي… البنك رفض القرض. السمسار خد العربون. إحنا ضيعنا كل حاجة.
ندى سكتت.
أمها كملت
ليه عملتي كده؟!
ندى ردت بهدوء
يوم ما قلتلك إني في العناية المركزة… سألتي على البيت.
وسكتت.
النهارده أنا بس رديت بنفس اللغة اللي فهمتوني بيها.
الأم انفجرت في البكاء.
إحنا أهلك!
ندى غمضت عينيها.
الأهل بيجروا على بنتهم وهي بين الحياة والموت… مش على عقد بيت.
وقفلت الخط.
وضعت الموبايل على الكومود.
الممرضة دخلت في اللحظة دي بابتسامة.
مبروك… الدكتور قال إن حالتك اتحسنت، وممكن تنقلي أوضة عادية بكرة.
ندى ابتسمت لأول مرة بابتسامة فيها راحة حقيقية.
لكن الراحة ما طولتش.
في نفس اللحظة، وصل إشعار جديد من البريد الإلكتروني.
المرسل…

قسم الموارد البشرية في الشركة.
العنوان كان قصيرًا جدًا
يوجد شاهد مستعد للإدلاء بأقواله.
ولما فتحت الرسالة…
اتسعت عيناها.
الشاهد لم يكن موظفًا…
ولا محاسبًا…
بل كانت رنا السيوفي نفسها.
وفي آخر الرسالة، كتبت جملة واحدة
أنا مستعدة أقول الحقيقة… لأن أحمد بيخطط يخلص منك للأبد في صباح اليوم التالي، كانت ندى قد انتقلت إلى غرفة عادية.
أصبحت قادرة على الجلوس لدقائق، لكن الألم كان لا يزال يقطع أنفاسها مع كل حركة.
ظلت تنظر إلى رسالة رنا.
أعادت قراءتها أكثر من مرة.
ثم رفعت عينيها إلى المحامية نهى.
تفتكري دي لعبة؟
نهى لم تجب فورًا.
قالت بعد تفكير
ممكن… وممكن تكون خايفة على نفسها. لكن في الحالتين، مش هنتحرك إلا بطريقة قانونية.
بعد ساعتين، دخلت رنا إلى مكتب المحامية.
كانت شاحبة، وعيناها لا تكفان عن الالتفات خلفها.
جلست وهي تمسك كوب الماء بكلتا يديها.

قالت بصوت مرتجف
أنا ما كنتش أعرف إنه بيضربها بالشكل ده.
نهى سألتها بهدوء
وإيه اللي خلاكي تيجي دلوقتي؟
أغلقت رنا عينيها للحظة.
لأن الدور الجاي كان عليا.
ساد الصمت.
ثم أخرجت هاتفها.
وضعت عدة صور ورسائل أمام المحامية.
دي تحويلات الفنهى التقطت هاتف رنا بحذر، وبدأت تحفظ نسخة قانونية من الرسائل والصور.
ثم رفعت رأسها وقالت
من اللحظة دي، أي دليل هيتسلم للنيابة مباشرة. محدش فينا هيتصرف لوحده.
رنا هزت رأسها.
ثم أخرجت من حقيبتها فلاشة صغيرة.
وضعتها على المكتب.
دي فيها نسخة من كاميرات الشركة.
ندى عقدت حاجبيها.
كاميرات؟
أحمد كان فاكر إنها بتمسح تلقائي بعد أسبوع، لكن مدير تقنية المعلومات كان بيعمل نسخة احتياطية كل شهر. وأنا أخدت النسخة قبل مانهى نظرت إلى رنا نظرة طويلة، ثم قالت بحزم
لو الكلام ده موجود فعلًا في التسجيل، فهو لازم يتسلم للنيابة كما هو، ومن غير أي

تعديل أو مونتاج.
رنا أومأت برأسها.
علشان كده جيت هنا… أنا مش عايزة أخبي حاجة تاني.
في اليوم التالي، خرجت ندى من المستشفى على كرسي متحرك.
لم يكن في استقبالها أحد من أهلها.
ولا أحمد.
ولا أي شخص من العائلة.
كان في انتظارها فقط محاميتها، وسائق أرسلته شركة التأمين.
وأثناء خروجها من الباب الرئيسي، وقفت لحظة.
التفتت إلى مبنى المستشفى.
منذ أيام قليلة دخلته وهي تظن أن حياتها انتهت.
أما الآن…
فكانت تخرج منه وهي تعرف أن حياتها القديمة هي التي انتهت.
ركبت السيارة.
وبعد دقائق، رن هاتف نهى.
استمعت بصمت، ثم أغلقت الخط.
التفتت إلى ندى.
النيابة أصدرت قرارًا باستدعاء أحمد لسماع أقواله بعد استلام التقرير الطبي.
ندى لم تقل شيئًا.
كانت تنظر من نافذة السيارة.
الشوارع نفسها…
والناس نفسها…

لكنها لم تعد المرأة نفسها.
وصلت إلى الشقة التي استأجرتها المحامية لها مؤقتًا.
شقة صغيرة.
هادئة.
لا تحمل أي ذكرى.
وضعت حقيبتها على الأريكة.
ثم جلست بصعوبة.
بعد أقل من نصف ساعة…
سمعت جرس الباب.
تجمدت في مكانها.
نهى نظرت من العين السحرية.
ثم التفتت إليها.
أبوكي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى