عام

حماتي فاقت وصدمة حياتي

كانت رائحة المطهرات في مستشفى دار الفؤاد تخنقني، لكنها لم تكن بنصف مرارة التي كانت تغلي في صدري. وقفت بجانب الحاجة أمينة، أنظر إلى وجهها الشاحب وعينيها اللتين انفتحتا ببطء تحت تأثير ما تبقى من البنج. كانت تظن أن تمت، وأنني أصبحت جسداً ناقصاً لتعيش هي بكامل عافيتها.
خلاص… إنتِ عملتي اللي عليكي. طالما ادّتيني كليتك، يبقى دورك خلص. لُمّي هدومك وامشي من العيلة دي. ابني يستاهل واحدة من مقامه، مش شغيلة جبناها من بيتها عشان تخدمنا وتنقذنا وتمشي.

التفتُّ ببطء نحو أحمد. كان واقفاً عند زاوية الغرفة، ملامحه متيبسة، وجهه شاحب كالموتى. لم يكن شحوبه خجلاً من قذارة كلمات أمه، بل كان رعباً لأن أمه كشفت المخطط باكراً جداً، قبل أن يضمن خروجي من المستشفى وقبل أن يوقعني على أوراق التنازل عن حقوقي في الشركة.
نظرت إليهما بهدوء غريب، هدوء يسبق العاصفة التي ستقتلع جذور ظلمهم الذي استمر عشر سنوات. تراجعت خطوة إلى الوراء، وأمسكت حقيبتي الجلدية السوداء ببطء، وفتحت سحابها وأخرجت منها ورقة رسمية مدموغة بختم إدارة المستشفى وقسم زراعة الأعضاء.
قلت بصوت

واضح، ثابت، هز جدران الغرفة
كليتك؟ مين قالك إن كليتي بقت عندك يا حاجة أمينة؟
اتسعت عينا أحمد برعب وهو يخطو نحوي
مروة… إنتِ بتقولي إيه؟ العملية خلصت من ساعتين!
ضحكت ضحكة قصيرة مريرة رنت في أرجاء الغرفة
العملية ما اتعملتش يا أحمد. أمك ضغطها عليّ الصبح والدكاترة خرجوها بره الأوضة. وفي الوقت اللي كنت إنت واقف فيه على السلم بتكلم دنيا رفعت وتوعدها إنك هترميني برمي كلاب وتطلقني بعد ما تاخدوا كليتي… أنا كنت واقفة وراك وسجلت كل كلمة.

أخرجت هاتفي وهززته أمامهما. أحمد تجمد في مكانه كأنه . تابعت وعيناي  أي جراحة. كليتي لسه في … وأمك لسه بفشلها الكلوي اللي هيدور على متبرع تاني، بس المرة دي مش هيلاقي المغفلة اللي كانت بتخدمكم بروحها.
الحاجة أمينة صرخت صرخة مكتومة وهي تحاول الاعتدال على ، ويدها ترتعد وهي تضعها على جانبها الأيمن
كدابة! إنتِ بتخوفيني! أحمد… قولي إنها بتكدب! كليتي جوه!
أحمد لم ينطق بحرف. تقدم نحو الحقيبة الموضوعة بجانب وتأكد من تقرير الأطباء الذي يثبت إلغاء بناءً على رغبة المتبرعة وقرار الإلغاء الطبي لارتفاع ضغط المريضة. نظر إلى أمه بهلع وقال بصوت
فعلاً يا أمي… العملية ما اتعملتش. مروة ما اتبرعتش.
الفصل الثاني العظيم

تحولت الغرفة في ثوانٍ إلى ساحة من الجنون. الحاجة أمينة بدأت وتلطم وجهها، متناسية وقارها  !
التفتُّ إليها ونظرت في عينيها مباشرة، وقلت بنبرة تقطر حزماً
حتة اللحمة دي اللي سميتيها ريحة أرياف لما أمي جابتهالك ودلقتيها في الحوض! فاكرة؟ فاكرة لما وجعتي قلب أمي وكسرتي ؟ يومها أنا حلفت إني هاخد حق دموعها. والنهاردة ربنا ردلها اعتبارها.  الكبير.
أحمد حاول الإمساك بكتفي، وصوته

رفعت يدي في وجهه أمنعه من الاقتراب
إياك تلمسني! عشرة كفاح؟ إنت كنت بتعتبرني آلة بتشتغل ببلاش. عشر سنين وأنا بشيل كراتين في شبرا الخيمة، وبظبطلك الحسابات، وبسهر للفجر أخلص الفواتير عشان جنابك تروح تلبس ساعات غالية وتدفع فواتير أوتيلات ل دنيا من ورايا! أنا مش بس سحبت كليتي يا أحمد… أنا سحبت حياتي كلها من طريقك.
أخرجت من حقيبتي ملفاً يحتوي على صور ضوئية لكل التحويلات البنكية التي قمت بنسخها في الليلة السابقة، ورميتها على وجهه لتتناثر الأوراق على أمه والأرض
دي صور التحويلات للشركة الوهمية اللي في التجمع. ودي فواتير الأوتيل والمجوهرات. كل فلس من الشغل اللي بنيته معاك وصحتي موثق هنا. من الصبح، المحامي بتاعي بيرفع  بدون أجر.

أحمد تراجع للخلف، وقد سقط القناع تماماً عن وجهه ليظهر الرجل الأناني الذليل
مروة، إنتِ هتدمريني؟ الشركة هتقع! البنوك هتحجز علينا لو الشركاء عرفوا بالحسابات دي!
تولع الشركة، ويولع أحمد، وتولع الحاجة أمينة!
قلت كلماتي الأخيرة، والتفتُّ بكبريائي، تاركة وراء عويلاً وصراخاً لم يعد يعنيني في شيء. خرجت من باب الغرفة 702، وخطواتي على أرض المستشفى كانت خفيفة كأني أطير، وكأن حملاً بزنة جبل قد انزاح عن صدري.
الفصل الثالث العودة إلى الحضن الدافئ
نزلت من المستشفى وركبت أول سيارة أجرة متجهة إلى بيت أمي في القليوبية. طوال الطريق، كنت أنظر من النافذة إلى شوارع القاهرة وكأني أراها لأول مرة. الشمس كانت مشرقة، والهواء

عندما وصلت، فتحت أمي الباب. كانت ملامحها متعبة، وعيناها مليئتين بالقلق منذ أن علمت بموعد العملية. عندما رأتني بكامل عافيتي، وبدون ملابس المستشفى، شهقت وضمتني إلى صدرها وهي تبكي
مروة! يا بنتي… إيه اللي حصل؟ إنتِ كويسة؟ الكلية جرالها إيه؟
ارتميت في حضنها، وبكيت… بكيت لأول مرة منذ سنوات طويلة، بكيت لكي أغسل كل لحظة ضعف، وكل تجرعتها في بيت أحمد.
أنا كويسة يا أمي. كليتي معايا، ورجعتلك سليمة. ربنا نجاني منهم.
جلست معها وحكيت لها كل شيء؛ من مكالمة أحمد ودنيا على السلم، إلى كشف السرقة والتحويلات، وحتى لحظة طرد الحاجة أمينة لي وهي تظن أنها نالت مبتغاها. أمي كانت تستمع وعيناها تتسع بالذهول، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت متهدج

الحمد لله اللي كشفهم على حقيقتهم قبل ما ينهشوا من لحمك يا بنتي. الحمد لله اللي ردلي اعتباري في بنتي وصحتها. دمعتي اللي نزلت وأنا بنضف وراهم ما راحتش هدر.
في تلك الليلة، نمت في القديم بجانب أمي، شاعرة بأمان لم أذقه طوال عشر سنوات من الزواج.
الفصل الرابع ليلة تصفية الحسابات
لم يمر سوى يومين حتى بدأت الحرب الحقيقية. أحمد حاول الاتصال بي مئات المرات، وأرسل رسائل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى