عام

كانت فاكرة أن ابنها سابها وسافر

تعتبر قصص الغدر الإنساني من أكثر الوقائع التي تترك ندوباً لا تندمل في ذاكرة المجتمعات. وفي قرية “النسيمية” التابعة لمحافظة الدقهلية، تحولت قصة الشاب “إسلام” إلى أيقونة للحزن، ليس فقط لفقدانه في ريعان شبابه، بل للطريقة المأساوية التي كشفت بها الأقدار خيانة من كان يُفترض بهم أن يكونوا سنداً له في دروب الحياة.

 

“إسلام”.. الشاب الذي أحب الجميع
كان إسلام، البالغ من العمر 24 عاماً، نموذجاً للشاب المكافح الذي عرفته أرجاء قريته بلقب “الجدع”. كان الابن اليتيم الذي نذر حياته لتعويض والدته عن غياب والده، فعمل على “توك توك” لإعالة أسرته. لم يكن إسلام مجرد شاب يعمل لكسب قوت يومه، بل اشتهر بمروءته ومساعدة جيرانه والفقراء في القرية، حتى بات وجهاً مألوفاً لا يتأخر عن نجدة أحد.

ليلة عيد الأضحى: اللحظة التي توقف فيها الزمن
في عام 2019، ومع قدوم عيد الأضحى، كان إسلام في إجازة من الخدمة العسكرية. وفي مساء يوم الوقفة، تلقى دعوة من ثلاثة من أصدقائه لتناول العشاء. لم يكن يعلم أن هذه الدقائق القليلة ستكون هي الأخيرة له بين أحضان عائلته. ودع إسلام والدته بكلمات دافئة، واعداً إياها بالعودة بعد دقائق، لكن هذه الدقائق امتدت لتصبح ست سنوات من القلق والترقب والدموع.

ست سنوات من البحث.. وأمل لم ينطفئ
بعد يومين من اختفائه، أبلغت الأم السلطات في محضر رسمي، متهمة أصدقاءه الذين كان ذاهباً إليهم. ولكن المفاجأة كانت في إنكار هؤلاء الأصدقاء لأي صلة بالحادث، بل وادعائهم أنهم شاركوا في رحلة البحث مع الأم. ومع مرور الوقت، بدأت القضية تتجه نحو احتمالية هرب إسلام من الخدمة العسكرية أو سفره للعمل في الخارج بحثاً عن حياة أفضل، وهو ما أقنع به الأصدقاء الأم المكلومة لتتوقف عن البحث، إلا أن قلب الأم ظل ينبض بأمل عودته، فظلت طوال ست سنوات تبحث وتسأل، حتى أنهك التعب قدميها، وجفت دموع عينيها من كثرة البكاء.

سقوط القناع.. الحقيقة الصادمة
شاءت الأقدار أن تنهار جدران الصمت. فبعد مرور ست سنوات، نشب خلاف حاد بين المتهمين الثلاثة، مما دفع أحدهم للتوجه إلى قسم الشرطة والاعتراف بجريمتهم الشنعاء. كشف المتهم أن إسلام لم يكن متغيباً، بل تم قتله والتخلص من جثته بإلقائها في مصرف القرية، مقيداً بأحجار ثقيلة.

تم القبض على الجناة، وأقر المتهم الرئيسي بأن الدافع كان خلافاً بسيطاً حول إهانة وجهها إسلام لوالدته، وهو دافع لا يمت للمنطق أو الإنسانية بصلة. تم انتشال رفات إسلام التي تحللت مع مرور الزمن، وأكد الطب الشرعي هوية الضحية من خلال مطابقة الحمض النووي، لتنتهي بذلك ست سنوات من الوهم الذي صنعه القتلة.

ألم لا يمحوه الزمن
نزلت أخبار هذه الجريمة كالصاعقة على قلوب أهل القرية، وعلى الأم التي كانت تفتح بابها مع كل طرقة أملة أن يكون إسلام قد عاد. تحولت حياتها إلى كابوس؛ فهي تذهب الآن إلى المصرف حيث ألقوا بجسد طفلها، لتناديه بكلمات يملؤها الوجع “عملوا فيك كدة ليه يا ضنايا؟”.

تظل هذه الجريمة درساً قاسياً في مفهوم الصداقة؛ فمن كانوا بالأمس يواسونه في محنته ويبحثون معه عن الغائب، كانوا هم أنفسهم من دفنوا الحقيقة تحت مياه المصرف. إن قصة إسلام ليست مجرد قضية جنائية، بل هي صرخة لضرورة الحذر في اختيار الرفقة، وتذكير بأن الحقيقة -مهما طال أمدها- لا بد أن تخرج إلى النور، وإن كانت تخرج في صور مؤلمة لا تطيقها القلوب. رحم الله إسلام وألهم أمه الصبر والسلوان أمام هذا المصاب الجلل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى