
“أنتي بتقولي إيه؟”
صوتي اتهز وقولتله: “قولي الحقيقة.. أنت خونتني؟”
الدم هرب من وشه وقال: “لأ.. يا سلمى لأ.. قسماً بالله ما حصل.”
صرخت فيه: “أومال إزاي نسخة من بعض كده؟! وليه بتتصرف كأنك مخبي مصيبة كل ما أجيب سيرتهم؟”
”طارق” بص الناحية التانية.
ودي كانت اللحظة اللي قلبي فيها. لأنه مانكرش إنه مخبي حاجة.
كل اللي عمله إنه همس: “مش هقدر أتكلم في الموضوع ده دلوقتي.”
وساب الأوضة وخرج.
تاني يوم الصبح، صحيت مالقيتهوش. كل اللي سابه كانت ورقة مكتوب عليها:
”نزلت الشغل بدري.. هنتكلم بالليل.”
بس أنا مكنتش هقدر أستنى لبالليل.
كنت محتاجة إجابات.
عشان كده، بعد الضهر بعت “فريدة” تلعب مع “ليلى” في البيت اللي جنبنا.
وروحت وراها.
ولما “عمر” فتح الباب، ابتسمتله ابتسامة الجارة الذوق.
بس من جوايا كنت بترعش.
لأني كنت على وشك إني أعرف الحقيقة.
ومكانتش الخيانة اللي كنت خايفة منها.
كانت حاجة أكتر بكتير…
في ثانية واحدة، الهادية اتحولت لساحة . صوت إنذار جهاز القلب كان بيخرم الودن، والممرضات دخلوا يجروا ومعاهم دكتور الطوارئ. ياسين في اللحظة دي نسي تماماً إنه الحفيد ، واتحول فوراً للدكتور المحترف. عيونه وسعت، ملامحه شدت، وبدأ يدي أوامر بصوت حازم وقوي:
“بسرعة! جهزوا جهاز .. إديها أمبول أدرينالين فوراً!”
مريم كانت واقفة متسمرة في الكورنر، حاطة إيديها الاتنين على بوقها بتكتم شهقة رعب. عينيها متعلقة بياسين اللي كان بيحاول ينعش قلب جدته بكل قوته. واحدة من الممرضات زقتها بخفة لبرة الأوضة وقالتلها: “لو سمحتِ يا أستاذة استني برة، مينفعش تفضلي هنا.”
وقفت مريم في الطرقة الباردة بتاعة المستشفى، ضهرها ساند على الحيطة، ونفسها طالع نازل بسرعة. دماغها كانت بتغلي. ألف سؤال وسؤال بيضربوا في بعض:
“صورتي؟ صورتي أنا؟ إزاي ولمتى؟ ومين ده أصلاً؟ الكاميرا الخفية دي قلبت بجد ولا إيه اللي بيحصل ده؟!”
عدت ساعة.. ساعة كاملة كأنها دهر. باب الأوضة اتفتح، وخرج منه دكتور الطوارئ، وبعده بشوية خرج ياسين.
كان شخص تاني خالص غير اللي دخل الأوضة. ملامحه مطفية، بدلته متبهدلة، قعد على أقرب كرسي في الطرقة وسند راسه بين إيديه بتعب رهيب. مريم، رغم رعبها وغضبها وفضولها، مقدرتش تمنع نفسها من إنها تقرب منه. جابت كوباية ماية من المبرد، وقفت قدامه ومدت إيديها بيها.
ياسين رفع راسه، بص للماية وبعدين بصلها، أخد الكوباية وشربها على بوق واحد كأنه كان في صحراء.
“هي… هي كويسة؟” سألته مريم بصوت واطي.
اتنهد ياسين بوجع: “النبض رجع.. استقرت مؤقتاً، بس اتنقلت العناية المركزة. ادعيلها.”
مريم سكتت لحظة، أخدت نفس عميق، وقالت بنبرة فيها حزم رغم هدوئها:
“ربنا يقومها بالسلامة. ودلوقتي… أنا محتاجة أفهم. إيه حكاية صورتي اللي في محفظتك من خمس سنين دي؟ وإزاي عرفت اسمي؟ وإيه علاقة كل ده بفيلم خطيبتك اللي سابتك؟”
الحقيقة بتتكشف
ياسين بصلها، عيونه كانت حمرا من الإرهاق. طلع محفظته الجلد من جيب الجاكت، وفتحها، وطلع منها صورة صغيرة “باسبور” ألوانها بهتت شوية من الزمن. مد إيده بيها لمريم.
مريم مسكت الصورة بذهول.. دي فعلاً صورتها وهي في الكلية!
بدأ ياسين يتكلم بصوت هادي، أقرب للهمس:
“من خمس سنين.. كنتي لسه طالبة. كنتي قاعدة في نفس الكافيه اللي اتقابلنا فيه النهاردة. أنا كنت وقتها دكتور امتياز، شغال شيفتات متواصلة، حياتي كلها دم وطوارئ وناس بتتألم. في اليوم ده، كنت هربان من المستشفى في ساعة البريك، روحت الكافيه أريح أعصابي.. وشوفتك.”
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة وكمل:
“كنتي بتعيطي بحرقة، قدامك لوحات هندسية وماكيت كبير، وواضح إنك كنتي متوترة جداً بسبب مشروع التخرج. فجأة، مسحتي دموعك بعنف، ولميتي حاجتك بسرعة عشان تمشي. وانتي بتلمي حاجتك، الكارنيه بتاعك وقع، والصورة دي فكت منه ووقعت على الأرض. أنا لمحتها، قمت عشان ألحقك وأديهالك.. بس كنتي ركبتي تاكسي ومشيتي.”
مريم كانت بتسمع ومبرقة عينيها، وهو كمل:
“عرفت اسمك من الكارنيه اللي قريته في ثانية. حاولت أدور عليكي بعدها، بس معرفتش. احتفظت بالصورة دي في محفظتي مش لغرض سيء والله.. بس كل ما كنت بحس بضغط شغلي، كنت ببص للصورة وأفتكر البنت اللي كانت بتعيط وضعيفة، وفي لحظة مسحت وقامت تكمل طريقها بشراسة. صورتك كانت بتديني أمل بطريقة غريبة.”




