عام

بنتي وبنت الجيران

​اليوم اللي العيلة الجديدة عزلت فيه في البيت اللي جنبنا، ماجاش في بالي أي حاجة غريبة. ​عربية نقل عفش. كام كرتونة على الباب. وراجل هادي عمال ينقل الحاجات لجوا. وبنته الصغيرة واقفة جنبه، حاضنة أرنب لعبة وبتبص حواليها كأنها بتحاول تقرر إذا كان الشارع الجديد ده ممكن في يوم من الأيام تحس إنه بيتها. ​بنتي “فريدة” شافتها من شباك المطبخ، ولزقت إيديها الاتنين على الإزاز. ​قالتلي: “ماما، ممكن أروح أقولها أهلاً؟ شكلها وحيدة أوي.” ​دي كانت طبيعة “فريدة”. قلبها أبيض

زي كل الأطفال قبل ما الدنيا تعلمهم يبقوا حذرين وتكسر فيهم براءتهم.

​عشان كده ابتسمت وقولتلها: “طبعاً روحي.”

​بعد دقايق، البنتين كانوا في الجنينة بتاعتنا، بيضحكوا كأنهم عارفين بعض طول عمرهم.

في الأول، صوت ضحكهم فرحني.

بس بعدين.. ركزت شوية.

وقلبي كان هيقف.

​بنت الجيران كانت نسخة بالمللي من بنتي!

مش مجرد “شبهها شوية”.

ولا شبه بتاع “نفس السن ونفس لون الشعر”.

​أنا بتكلم عن نفس الشعر الكيرلي الدهبي اللي بيلمع في شمس العصر. نفس المناخير الصغيرة اللي زي الزرار. نفس الخدود المدورة. نفس العيون اللي بتلمع وبتبان فيها الشقاوة قبل ما تضحك.

​لو مكنتش “فريدة” أطول منها بحاجة بسيطة جداً، مكنتش هعرف أفرق بينهم من شباك المطبخ. وقفت مكاني متسمرة، ببصلهم وهما بيلفوا ويرقصوا على العشب كأنهم نسختين من نفس الطفلة.

​”سلمى؟”

صوت جوزي “طارق” جه من ورايا.

لفيت بسرعة مخضوضة.

​كشر وقال: “أنتي كويسة؟ وشك كأنك شُفتي .”

​رسمت ابتسامة بالعافية، رغم إن صوابعي كانت متلجة حوالين الكوباية اللي في إيدي. وقولتله: “أنا كويسة، سرحانة شوية بس.”

​بس أنا مكنتش كويسة خالص.

لأن السؤال كان خلاص اتزرع في دماغي: إزاي بنتين من عيلتين مختلفتين يبقوا شبه بعض للدرجة دي؟

​”طارق” وقف جنبي وبص من الشباك.

وساعتها.. لاحظت اللي حصل.

ملامح وشه اتغيرت.

لثانية واحدة بس.

​ابتسامته اختفت. عينيه ثبتت على “ليلى” بنت الجيران، وفي نظرة حزن ووجع غريبة عدت على وشه.

​فجأة “فريدة” جت تجري على باب الجنينة وهي بتنهج ومبسوطة. وصرخت: “بابا! تعالى زقني أنا وليلى على المرجيحة!”

​”طارق” اتردد.

تردد بسيط جداً.. يكاد يكون مش ملحوظ.

بس لما قلبك يكون خايف، أي لحظة سكوت بتعتبرها دليل.

​قالها: “حاضر يا حبيبتي.”

​راقبته وهو رايح للمرجيحة. “ليلى” قعدت عليها، وبصتله بابتسامة مكسوفة وقالتله: “ممكن أركب أنا الأول عشان خاطري؟”

​”طارق” ضحك ضحكة باهتة ومصطنعة وقال: “ماشي، بس بعد كده دور فريدة.” وزقها بالراحة.

​”ليلى” صرخت من الفرحة.

​وفجأة، المشهد اللي قدامي مابقاش بريء وحلو. بقى مألوف. مألوف بزيادة.

كأنه أب بيزق بنته على المرجيحة.

​بالليل، بعد ما “فريدة” نامت، طلعت ألبومات صورها القديمة.

قعدت على أرض الأوضة، بقلب في صفحة ورا التانية، بدور في ملامحها على إجابة لسؤال أنا أصلاً خايفة أعرفها.

​عيد ميلادها الأول.

​أول خطواتها.

​إيديها الصغيرة وهي ماسكة صباع “طارق”.

​ركزت في كل صورة، بحاول ألاقي أي حاجة تطمن قلبي. بس كل اللي كنت بشوفه في الصور كان “ليلى”.

​”بتعملي إيه؟”

اتنفضت من مكاني. “طارق” كان واقف على باب الأوضة.

قفلت الألبوم بسرعة وقولتله وأنا متوترة: “ولا حاجة.. بفتكر ذكرياتنا بس.”

​فضل باصصلي فترة طويلة. وأنا بصتله، مستنياه يسألني مالك أو فيكي إيه.

مسألش. وده خلى السكوت مرعب أكتر.

​في الكام أسبوع اللي بعد كده، “فريدة” و**”ليلى”** بقوا مابيفارقوش بعض. بيلعبوا كل يوم العصر، بيقسموا الأكل والأسرار وحتى حظاظات الصداقة. كل الناس كانت شايفة إنهم ألطف حاجة في الدنيا.

​بس أنا كل ما كنت بشوفهم جنب بعض، بطني كانت بتوجعني.

وكل ما كنت بجيب سيرة “ليلى” أو أبوها “عمر”، كان “طارق” بيسكت.

سكوت مريب.

​في ليلة مقدرتش أتحمل أكتر من كده. لفيت لجوزي في الضلمة وهمست بالسؤال اللي كان بياكل في روحي:

​”طارق.. هي ليلى بنتك؟”

​جسمه اتخشب مكانه. وبعدين لفلي بالراحة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى