عام

بنتي وبنت الجيران

​مريم قاطعته بتعجب: “طيب وموضوع خطيبتك ليلى؟”

​ياسين نزل عينه في الأرض: “ليلى دي بنت عمي، جواز صالونات، وفركشنا من ٦ شهور، مش النهاردة الصبح ولا حاجة. جدتي حالتها اتدهورت من أسبوع، وكل اللي كانت بتتمناه تشوفني متجوز واستقريت. لما شوفتك النهاردة في الكافيه، بالصدفة البحتة لأني بقيت زبون هناك على أمل إني ألمحك تاني في يوم من الأيام.. عقلي وقف. فكرت إن دي إشارة من ربنا.. استغليت الموقف، وألفت قصة خطيبتي اللي سابتني النهاردة عشان أخليكي توافقي تيجي معايا. أنا آسف يا مريم.. آسف إني كدبت، وآسف إني عالمك المقفول.”

​المواجهة مع الذات

​مريم كانت في حالة صدمة. مشاعرها متلخبطة بين الغضب من كدبه، وبين الإحساس بالشفقة، وبين حاجة تانية غريبة بدأت تتحرك في قلبها اللي كانت قافلة عليه بالضبة والمفتاح.

“أنا لازم أمشي يا دكتور ياسين.” ده كان كل اللي قدرت تقوله. سابته ومشيت، رجعت على بيتها، بس صورتها في محفظته وصوته وهو بيحكي فضلوا يترددوا في ودانها طول الليل.

​عدى أسبوع.. مريم رجعت لروتينها، الشغل، الكتب، والكافيه. بس المرة دي، كل ما تقعد في الكافيه تبص حواليها كأنها بتدور على حد. كأن هدوءها اللي كانت بتفتخر بيه اتحول لفراغ.

​فجأة، تليفونها رن. رقم غريب.

“ألو؟”

“مريم.. أنا ياسين.”

قلبها دق بسرعة: “خير يا دكتور؟ في حاجة؟”

ياسين قال بصوت مليان رجاء: “جدتي فاقت.. واتنقلت أوضة عادية.. وأول حاجة سألت عليها كانت إنتي. مش عايزة تشوف حد غيرك.. أرجوكي، عشان خاطرها.”

​اللقاء الأخير والوصية

​راحت مريم المستشفى. دخلت الأوضة، لقت الجدة ملامحها أهدى بس باين عليها إن دي أيامها الأخيرة. ياسين كان واقف بعيد، سابهم وخرج عشان يديهم مساحتهم.

​الجدة مدت إيديها لمريم، ومريم مسكتها وقعدت جنبها.

الجدة ابتسمت وقالت بصوت ضعيف جداً:

“أنا عارفة إن ياسين كدب عليا.. وعارفة إنك مش خطيبته. أنا اللي وقعت محفظته من شهرين وشوفت صورتك وسألته عليكي، وحكالي إنه بيحب طيف بنت ميعرفش عنها غير اسمها وصورتها. أنا مثلت إني خرفت عشان أخليه ينطق ويجيبك.”

​مريم دمعت، والجدة كملت وهي بتطبطب على إيد مريم:

“يا بنتي.. الحياة أقصر من إننا نعيشها خايفين. إنتي قافلة على نفسك خايفة من الوجع، وهو قافل على نفسه في شغله خايف من الفشل. الحب مش خطفة عين، الحب وضهر. وياسين شاف فيكي السكن من سنين.. متقفليش باب رزق ربنا بعتهولك لحد عندك عشان خايفة تنجرحي. الشجاعة مش إننا منعيطش.. الشجاعة إننا نحب ونكمل واحنا عارفين إن ممكن نتوجع.”

​الكلمات دي نزلت على قلب مريم زي الماية الباردة. باسة إيد الجدة، وطلعت برة لقت ياسين واقف. بصلها بعيون مليانة أسئلة، فقالتله بابتسامة رقيقة لأول مرة: “تيتا بتدعيلنا يا ياسين.”

​النهاية (بعد مرور ٣ سنين)

​في نفس الكافيه على كورنيش النيل..

المطر كان بيخبط على الإزاز برضه، وموسيقى هادية شغالة. بس المرة دي، مريم مكنتش قاعدة لوحدها بتقرأ كتاب وتهرب من العالم.

كانت قاعدة، وفي حضنها طفلة صغيرة عندها سنة، وياسين قاعد قدامهم، بيلاعب البنت وبيضحك من قلبه.

​ياسين بص لمريم ومسك إيديها وقال: “تصدقي.. لولا إني عملت مجنون واقتحمت طرابيزتك في اليوم ده، كان زماني لسه دكتور بائس معندوش حياة.”

مريم ضحكت وردت: “ولولا إنك عملت مجنون، كان زماني لسه قافلة على نفسي في سجن الروتين والوحدة، فاكرة إن الأمان في البعد عن الناس.”

​الخلاصة:

أحياناً بنبني حوالين نفسنا أسوار عالية جداً بحجة إننا بنحمي قلبنا من الوجع أو الخذلان، وبنقتنع إن الحياة “الروتينية” هي الأمان المطلق. لكن في الحقيقة، إحنا بنحرم نفسنا من أجمل صدف ربنا، ومن فرصة إننا نعيش بجد. الحياة محتاجة شوية مجازفة، محتاجة نفتح الباب للناس اللي بتخبط عليه بصدق. القدر ممكن يرمي في طريقك شخص يغير كل حساباتك، ولو فضلت خايف ومتمسك بخوفك.. هتفوتك أجمل حكاية كان ممكن تعيشها. الحب مش بييجي بالترتيب، بييجي فجأة، بس بيكمل بالاختيار والشجاعة.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى