عام

مرات أخويا اتصلت بيا

“أنا كنت عارفة إن يوسف محبوس في البيت.”

الكلمة نزلت على قلبي كأنها حجر.

بصيتلها، ولسه مش مستوعبة اللي سمعته، وقلت بالعافية:

“إيه؟”

رفعت عينيها ليا، وكانت الدموع متعلقة في رموشها.

وقالت:

“ماما قالتلي لو قولت لأي حد… هتحبس صخر هو كمان. وقالت إن يوسف ولد وحش، وإن بابا تعبان بسببه، وإن أي حد هيحاول يساعده هيبوظ العيلة كلها. كنت عايزة أقولك يا عمتي… والله كنت عايزة… بس كنت خايفة.”

قعدت جنبها من غير ما أتكلم، وضميتها لحضني، وحسيت جسمها كله بيرتعش، كأنها أخيرًا لقت مكان يسمح لها تعيط فيه من غير ما تخاف.

“اسمعيني كويس يا رنا… اللي شيلتيه على كتفك ماكانش حمل طفلة عندها تمن سنين. إنقاذ يوسف ماكانش مسؤوليتك، واللي حصل ماكانش ذنبك، والوحيدة اللي لازم تتحاسب هي اللي خوفتكم وخدت طفولتكم.”

هزت راسها وهي بتعيط.

وقالت:

“بس إنتِ أنقذتيه.”

بصيت ناحية الصالة.

كان يوسف قاعد على السجادة، ملفوف في بطانية دافية، وحاطط طبق مية قدام صخر، والكلب كان بيشرب بهدوء، وبعدها قرب منه ولحس صوابعه، بينما الديناصور الأخضر مرمي بينهم، كأنه الحارس الصغير اللي رفض يسيبه لحظة واحدة.

ابتسمت، وبصيت لرنا.

وقلت:

“أنا ما أنقذتوش لوحدي.”

بصتلي باستغراب.

فابتسمت أكتر، وكملت:

“إنتِ كمان أنقذتيه… في اللحظة اللي سيبتي فيها سلسلة صخر. لو ماكنتيش عملتي كده، كان ممكن يوسف يفضل في إيدها، وكان ممكن كل حاجة تنتهي بشكل تاني.”

دفنت وشها في حضني، وفضلت تعيط، لكن المرة دي كان عياط بيرمي خوف سنين، مش خوف لحظة.

العصر…

طارق جه بإذن من النيابة.

قعد في جنينة بيت أمي تحت شجرة ، وماحاولش يبرر، ولا دافع عن نفسه، ولا قال إنه ، ولا طلب حد يسامحه.

فضل ساكت…

يسمع يوسف…

ويسمع رنا…

ويسمعني…

وكأن السكوت المرة دي كان أصعب عليه من أي اعتراف.

ولما أمي حطت طبق شوربة فراخ بالرز قدام يوسف، فضل يبصله ثواني طويلة، وبعدها رفع عينيه وسأل بتردد قلبنا كلنا:

“ينفع… آكل الطبق كله؟”

أمي حطت إيديها على قلبها، ولفت وشها عشان تخبي .

أما طارق، فقفل عينيه بقوة، وكأنه بيتمنى لو يقدر يرجع الزمن دقيقة واحدة بس.

وأنا حطيت المعلقة في إيد يوسف، وابتسمتله.

وقلت:

“مش بس تاكله كله يا حبيبي… ولو خلص ولسه جعان، هنملاهولك تاني… وتالت… وكل مرة هتجوع فيها هتلاقي اللي يشبعك.”

يوسف ابتدى ياكل بالراحة، كأنه مستني في أي لحظة يسمع حد يزعقله ويقوله: “كفاية.”

لكن محدش زعق.

ومحدش خد الطبق من قدامه.

وبعد شوية…

ابتدى ياكل أسرع، ولأول مرة من أيام طويلة، شفت في عينيه لمعة طفل بدأ يصدق إنه بقى في مكان آمن.

وصخر كان نايم عند رجليه…

والديناصور الأخضر بين إيديه…

ولأول مرة…

ابتسم يوسف من غير خوف.

ماكنتش ابتسامة كبيرة…

لكنها كانت كفاية تنور البيت كله.

مرت شهور.

القضية بقت في إيد المحكمة، وخديجة فضلت متمسكة بنفس الكذبة، وفضلت تقول إن كل اللي حصل مجرد سوء فهم، وإن الناس ضخمت الحكاية.

لكن المرة دي…

الكدب ماكانش لوحده.

التقرير الطبي كان قدام النيابة.

ورسائلها ضمن ملف

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى