روايات وققص

سبع سنين كاملة وأمي ما سابتش فرض

إني في وقت من الأوقات نسيت أنا مين، وبقيت أخاف حتى أنطق اسمي الحقيقي.
كانت أمي بتسمعها على صدرها وتقول يا كسرة قلبي عليكي يا ضنايا… وأنا كنت كل ليلة أقعد عند فاضي وأقرأ لك الفاتحة، وإنتِ عايشة ومستنية حد ينقذك.
هند وهي بتبكي، وقالت والله يا أمي، كنت كل يوم بدعي إنك متصدقيش إني مت، لأن إحساسي كان بيقولي إن قلب الأم عمره ما بيكدب.
وبعدين بصتلنا وقالت أنا ما خرجتش لأنهم رقّوا لحالي، ولا لأن أبويا ضميره صحي، أنا خرجت لأن ربنا كتبلي عمر جديد، المكان اللي كنت فيه اتعمل عليه مداهمة فجأة، والناس دخلت، وساعتها اكتشفوا إني مش الضحية الوحيدة، كان في ناس غيري عايشين نفس الجحيم، وكل واحد فيهم كان ليه حكاية أبشع من التانية.
وسكتت لحظة، وبعدها مدت إيديها ناحية آخر ملف كان على الترابيزة، وقالت بس ده كله ولا حاجة… اللي جوه الملف ده هو اللي وأنا لسه عايشة.
فتحت الملف قدامنا، وبدأت تطلع ورقة ورا ورقة، سجلات، وإيصالات، ورسائل قديمة مكتوبة بخط إيد أبويا، وأول ما شفت خطه، حسيت إن قلبي وقع، لأن ده نفس الخط اللي كان بيكتب لنا بيه رسايل العيد، ونفس الخط اللي كان بيكتب بيه لينا
الأدعية ويعلقها في البيت.
قالت وهي بتقلب الورق أنا كنت فاكرة إن كل اللي عمله بدأ يوم عرف إني اكتشفت سره… لكن الحقيقة إن الكدب كان أكبر من كده بكتير، وأقدم من اختفائي بسنين.
قريت أول ورقة، وحسيت إن الأرض بتميد بيا، لأن كل اللي كنا عايشين عليه كان كدب، وكل الفلوس اللي كان بيقول إنها من تعبه وشقاه، كانت جاية من شغل عمره ما كان حلال، وكان طول الوقت يضحك على أمي، ويخليها تفتخر بيه قدام الناس، وهي ما تعرفش إنها كانت عايشة مع راجل بوشين.
وساعتها بس فهمت إن هند ما كانتش ضحية راجل غريب، ولا عصابة خطفتها من الشارع… هند كانت ضحية أبوها.
بعدها بأيام، سلمنا كل اللي كان مع هند، ومن اللحظة دي القضية اتفتحت من أول وجديد، وكل يوم كنا بنروح تحقيق، وكل يوم يطلع سر جديد، وكل يوم نكتشف إن اللي حصل ما كانش غلطة ولا صدفة، ده كان ترتيب معمول من سنين طويلة.
وفي وسط كل ده، صاحبة أمي كلمتنا وهي بتنهج، وقالت لقيت حاجة… والله اللي لقيته هيقلب القضية كلها.
ولما روحنا لها، طلعت جزء من الملف القديم، وقالت وهي بتورينا الورق بصوا كويس… الصفحات دي اتشالت، واتحط مكانها ورق تاني.
وبعدين طلعت تقرير قديم، وقالت التقرير
ده مع القضية، ومحدش شافه.
أخدته من إيديها، ولما قريته حسيت إن روحي خرجت مني، لأنه كان بيقول بالحرف إن الرفات اللي  وقتها مافيش أي دليل مؤكد إنها تخص هند، وإن وقتها كان لازم التحقيق يكمل، لكن فجأة جه أمر بقفل القضية، وإعلان وفاة هند بشكل رسمي.
وساعتها أنا وأمي بصينا لبعض، ولأول مرة بعد السبع سنين، فهمنا ليه كانوا مستعجلين ، وليه منعوا أي حد يدور أو يسأل أو حتى يشك… لأن طول ما هند ميتة على الورق، محدش هيفكر يدور على البنت اللي كانت لسه عايشة، ومحدش هيعرف إن الحقيقة كانت مدفونة مع جنازة عمرها ما كانت جنازتها.
من يوم ما القضية اتفتحت من أول وجديد، أبويا اختفى كأنه فص ملح وداب. لا رجع البيت، ولا رد على مكالمة، ولا حتى حاول يطمن على أمي، وكأنه كان مجهز من زمان مكان يستخبى فيه لو الحقيقة خرجت للنور.
ومرت الشهور…
وكل يوم كنا ندخل تحقيق، ونطلع من تحقيق، وكل مرة يظهر اسم جديد، أو ورقة متزورة، أو سر مدفون من سنين.
لحد ما في يوم…
رن التليفون.
ولأول مرة من ساعة اختفائه، حسيت إن النهاية قربت.
لقوه.
كان مستخبي في شقة محدش يعرفها، متأجرة باسم شركة ورقية ملهاش أي نشاط،
وكأنه كان عامل حسابه على اللحظة دي من زمان.
ولما دخلوا يقبضوا عليه…
ما لقوش راجل هربان وبس.
لقوا أوراق مزورة،

ومستندات، وحسابات بأسماء مختلفة، وفلوس بالملايين، وأدلة أكدت إن كل كلمة قالتها هند كانت حقيقة.
وساعتها…
وقع واحد… وراه واحد.
بدأوا يقبضوا على كل اللي شاركوه، ناس زورت تقارير، وناس خبت ملفات، وناس قبضت فلوس عشان الحقيقة تفضل مدفونة، وكل واحد كان بيحاول ينقذ نفسه على حساب التاني.
لكن أكتر خبر هزنا…
ما كانش القبض على أبويا.
كان الخبر اللي جه بعدها بكام أسبوع.
بعد مراجعة بلاغات التغيب القديمة، وتحليل الحمض النووي، اتعرفت أخيرًا هوية البنت اللي مكان هند.
كانت هي كمان مفقودة من سنين، وأهلها كانوا لحد آخر يوم مستنيين باب البيت يخبط وترجع لهم، من غير ما يعرفوا إنها كانت مدفونة طول الوقت… باسم بنت تانية.
والله العظيم..

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى