Uncategorized

ظهور أمه بقلم صافي هاني

علوان وقع على الأرض، والناس بدأت تتلم وتصرخ: «يموت! الحقوا يا ناس راجل بيتق*تل!».. الساحة اللي كانت من دقيقة هادية ومطمنة، اتتحولت لخرابة من الجري والخوف.

​أنا مكنتش حاسس برجلي، كنت واقف في النص زي الصنم. عيني رايحة لعلوان اللي بيفرفر وبيرفص على الأسفلت والدم بيمشي بين رجلينا، ورايحة للزحمة اللي بلعت الراجل أبو جلابية بيضا في ثانية وكأن الأرض انشقت وبلعته.

​لقيت إيد بتترعش وبتمسك في بنطلوني بكل قوتها.. بصيت تحت، لقيتها هي. الست اللي عشت سبعة وعشرين سنة فاكرها أمي، والنهاردة عرفت إنها يمكن تكون غربية عني.. بس نظرة عيونها الخضرا، نفس عيوني، مكانتش بتقول كدة! كانت بتنهج وتصرخ وهي حاطة إيدها على قلبها:

— «شريف.. متصدقوش.. علوان كداب.. كداب وعايز يخرب بيتك ويفضح أبوك.. أنت ابني.. أنت حتة مني يا ابني!»

​شلت إيدها عني براحة، وأنا حاسس إن أي لمسة دلوقتي بتوجعني. رجعت خطوتين لورا، وبصيت لخطيبتي أسماء اللي كانت واقفة بعيد ووشها أصفر زي الليمونة ومش قادرة تنطق من منظر الدم ومن الكلام اللي سمعته.

​في وسط الهيصة دي، وصوت سرينات الإسعاف والشرطة بدأ يظهر من بعيد ويقرب من الساحة، لقيت أمي (أو الست دي) بتطلع ورق مطبق ومتبهدل من كيس قماش قديم كانت مخبياه تحت هدومها، وقامت رامياه في حجري وهي بتقول بصوت  من البكا:

— «لو مش مصدقني.. خد ده.. ده ورق المستشفى الحقيقي اللي أبوك خبّاه عن علوان وعن الدنيا كلها.. اقراه وأنت هتعرف مين فيهم اللي كان بيحميك ومين اللي كان عايز يدبحك!»

​خدت الورق وإيدي بتترعش، وجيت أفتح أول صفحة.. وفجأة، لقيت أمي بتمسك رقبتها، وعينها برقت لفوق، ونفَسها اتقطع ووقعت على سِيفها على الرصيف، من غير ما تنطق ولا كلمة زيادة!

الناس سابت علوان اللي قطع النفس، وبقوا يجروا على أمي.. الست اللي لسه مالحقتش أشبع من ريحة الفل والياسمين اللي فيها، ولقيتها بتضيع مني تاني ولتاني مرة في حياتي!

​صرخت بعلو صوتي وسط الزحمة: «أميييي!».. رميت نفسي عليها على الرصيف، رفعت راسها على ركبتي وأنا بتهز كلي، وبقيت بضرب على وشي زي المجنون: «فوقي يا أمي.. متعمليش فيا كده.. متسيبنيش وسط كل  دي لوحدي!»

​أسماء جِريت عليا وهي بتعيط، وقعدت على ركبها جمبي وبقت تقيس نبضها وإيدها بتترعش، وبصتلي وعيونها مليانة رعب وقالت: «النفس واقف يا شريف.. السكته  كانت أكبر من قلبها الغلبان!»

​صوت سرينات البوكس والإسعاف بقوا في قلب الساحة خلاص، والناس بدأت تتفرق وتوسع عشان العساكر والمسعفين اللي نازلين يجروا. في اللحظة دي، وأنا عيني غرقانة دموع وباصص لوشها المجهد اللي الشارع كل من نضارته، افتكرت الورق المطبق اللي رمتّه في حجري قبل ما تقع.

​بسرعة ومن غير ما حد يلمحني، لميت الورق المتبهدل والدموع مغرقة الحبر اللي عليه، وحطيته في جيب جاكيت البدلة الداخلي.. الجيب اللي جه جهة قلبي بالظبط، وكأن الورق ده بقى هو النبض الوحيد اللي باقيلِي في الدنيا دي.

​المسعفين شالوها على النقالة، والظابط بدأ يطلب بطاقتي وبطاقة أسماء عشان يستجوبنا كشهود عيان على ق*تلة علوان وعلى الوفاة. قضيت الساعات اللي بعد كده في القسم وكأني مغيب عن الوعي، بنطق كلام وبمضي على محاضر وأنا عقلي وروحي لسه هناك.. واقفين في ساحة الحسين تحت المئذنة.

​على الفجر، رجعت بيتي.. البيت الكبير اللي أبويا مصطفى بناه من عرق جبينه وشقاه. دخلت مكتبي وقفت الباب ورايا بالمفتاح. السكون في البيت كان مرعب، وصورة أبويا اللي متعلقة على الحيطة بزيه الرسمي المبتسم، بقت بتبصلي بنظرة تانية خالص.. نظرة كلها أسرار وخبايا مكنتش بشوفها زمان.

​قعدت على الكرسي، وطلعت الورق المطبق من جيب جاكيتي وإيدي لسه بتترعش. فردت أول صفحة براحة عشان متتقطعش، وكانت عبارة عن شهادة ميلاد قديمة جداً ومكتوبة بخط الإيد، وصادرة من نفس المستشفى الحكومي اللي علوان قال عليه..

​نزلت بعيني على خانة اسم المولود، وبعدين خانة اسم الأب، وفجأة عيني برقت، والورقة وقعت من إيدي على المكتب وأنا مش قادر أصدق الاسم اللي قريته مكتوب في خانة الأب الحقيقي!

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى