Uncategorized

ظهور أمه بقلم صافي هاني

الاسم اللي كان مكتوب في خانة الأب الحقيقي مكانش اسم أبويا مصطفى.. ولا كان خانة فاضية زي ما علوان حاول يلمّح. الاسم اللي هز كياني وخلّى الدم يتجمد في عروقي كان اسم “علوان نفسه”!

​”علوان عبد الرحمن النجعاوي”.. الاسم كان مكتوب بخط إيد واضح وجنبه ختم المستشفى الباهت.

​وقعت على الكرسي وضهري ساند لورا، وأنا حاسس إن الأوكسجين اتقطع عن الأوضة كلها. يعني علوان مكانش مجرد مبتز؟ علوان كان الأب الحقيقي اللي أبويا مصطفى دفع عمره وشقاه وفلوسه عشان يشتري سكوتُه ويحميني منه؟

​افتكرت في ثانية كل نظرات الشماتة والغل اللي كانت في عين علوان وهو بيبصلي في الساحة.. وافتكرت صرخة أمي المكتومة ونَفَسها اللي اتقطع وهي بتحاول تمنعه إنه ينطق بالسر الكامل. هي مكانتش بتخبي عليا إني ابن حرام أو ابن شوارع.. هي كانت بتخبي عني إن الراجل الندل اللي واقف بيشمت فينا، الراجل اللي بيشحت على حسي بقاله سنين، هو نفس الراجل اللي رماني وأنا لحمة حمرا وباعني لأبويا مصطفى!

​فتحت الصفحة التانية من الورق، وكانت عبارة عن مكاتبة قديمة بخط إيد أبويا مصطفى، الله يرحمه. كان كاتب فيها:

«أنا مش ندمان إني اشتريت ابني شريف بمالي وعمري.. علوان باع قطة لحم من صلبُه عشان يسدد ديونه، والست الغلبانة (أمي) ملهاش ذنب غير إنها وافقت تمثل دور الميتة عشان تضمن إن الواد يكبر في عز وبعيد عن أصل أبوه النجس.. سامحني يا رب لو كنت خالفت شرعك في التبني، بس أنا محرمتوش من أمه.. أنا حميته من أبوه».

​الدموع نزلت من عيني زي المطر، بس المرة دي مكانتش دموع صدمة.. كانت دموع فخر بأبويا مصطفى، الراجل اللي بجد شال الشيل وصان الأمانة ورباني بنظافة لغاية ما بقيت شريف بيه.

​لميت الورق كله في جيب وفجأة.. سمعت صوت خبط رزين وقوي على باب الشقة برة في وقت الفجر ده. قمت مشيت بخطوات تقيلة وفتحت الباب..

​وقفت مكاني مذهول وأنا شايف قدامي الراجل أبو جلابية بيضا.. الراجل اللي ضرب علوان بالمطواة في وسط الساحة وهرب.. واقف قدام باب بيتي وحاطط إيده في جيبه وباصصلي وعيونه كلها غموض!

الراجل أبو جلابية بيضا فضّل واقف مكانه، ملامحه كانت هادية لدرجة ترعب، وعيونه مفيهاش أي ندم على الروح اللي لسه مخلص عليها من كام ساعة.

​حطيت إيدي على الباب وأنا سانده، وحبست نَفَسي وسألته بصوت متحشرج:

— «أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ وأزاي عرفت مكان بيتي؟»

​الراجل نزل إيده من جيبه، وبص حواليه في الممر الفاضي للتأكد إن مفيش حد، وقال بنبرة هادية وصعيدية أصيلة:

— «أنا ولد عمك يا شريف بيه.. علوان اللي  ده يبقى أبوي أنا كمان، يعني أخوك في الدم اللي رماه زمان ومسألش فيه.. وعرفت طريقك لأن علوان مكانش وراه سيرة طول السنين اللي فاتت غيرك أنت وأبوك مصطفى الله يرحمه».

​اتسعت عيني بذهول، وهو كمل وعينه فيها لمعة انكسار:

— «أنا مق*تلتوش عشان أخبيك، ولا عشان السر يندفن.. أنا قت*لته عشان أطهر عيلتنا من نجاسته. علوان مكانش بيبتز أبوك مصطفى وبس، علوان كان بيذل أمك اللي قاعدة في الشارع، وكان ناوي يجيلك بعد ما أبوك مات عشان يهد حياتك ويقولك يا تدفعلي ملايين يا هفضحك وسط ناسك والبيزنس بتاعك.. أنا قولت كفاية لحد كده، كفاية وسخ لحد هنا.. علوان عاش ينهش في الكل، وكان لازم يموت عشان الكل يرتاح.. أمك ترتاح في تربتها، وأنت تعيش نظيف زي ما أبوك مصطفى أراد ليك».

​سكت الراجل شوية، وطلع من جيبه مفتاح قديم ومصدي، وحطه في إيدي:

— «ده مفتاح الأوضة اللي كان عايش فيها في السيدة زينب.. فيها كل الورق والمكاتبات اللي تخصك أنت وأبوك مصطفى.. روح خدهم واحرقهم يا شريف بيه، وم تخليش للماضي ده أثر في حياتك».

​وقبل ما أنطق بكلمة واحدة، دار ضهره ومشي بخطوات سريعة ونزل السلم واختفى وسط ضلمة الفجر، وكأنه كان ملاك عذاب جِه عشان يقفل الصفحة دي للأبد.

​وقفت في نص صالة بيتي، في إيد المفتاح المصدي، وفي جيب صدري ورق عمري الحقيقي. بصيت لصورة أبويا مصطفى المتعلقة على الحيطة، ودموعي نازلة بس المرة دي ابتسمت.. ابتسمت لأني عرفت إن الأب مش بالدم، الأب باللي صان، باللي ربى، باللي ضحى بعمره وفلوسه وسمعته عشان يخليني راجل واقف على رجلي.

​نزلت على ركبي وصليت الفجر، ودعيت لأبويا مصطفى بالرحمة والمغفرة، ولأمي الغلبانة اللي  بالسلام.. وقررت إن من الصبح، هبدأ أدور على عيلة أمي الحقيقية وأكرمهم، وهقفل باب الماضي ده، وأعيش شريف الشريف.. زي ما أبويا مصطفى خطط لي بالظبط.

​تمت..

6 من 6التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى