
أحستِ برعشة في كتفها. لم يكن الخوف من الماضي فحسب، بل من الحاضر الذي بدأ يتجسد أمامها. رفعت بصرها ببطء نحو النقطة التي أشارت إليها أمها بلهفة وخوف.
كان رجلاً طويلاً، نحيفاً، يرتدي جلباباً داكناً وطاقية، ويقف على مسافة ليست ببعيدة، يراقبهم بعيون ضيقة وقلبٍ أسود. لم يكن شكله غريباً عليها، فقد رأته من قبل في أحلامها المزعجة، كشبحٍ يطاردها.
همست أمها بخوف: «هو.. هو اللي كان بيهددنا.. هو اللي خلاني أموت في عينيك عشان تعيش أنت وأبوك بكرامة».
شريف لم يستطع أن يحرك ساكناً. شعر وكأن الأرض تدور به. السر الذي أخفته أمه عنه طيلة هذه السنوات كان أفظع مما تخيل. هل كانت غلطتها؟ أم كانت غلطة الزمن الذي لم يرحمها؟
وفجأة، اقترب الرجل منهما، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. «شريف.. يا ابن مصطفى.. كنت عارف إنك هتيجي في يوم من الأيام وتدور على الحقيقة.. بس الحقيقة مرة.. مرة أوي يا شريف».
الرجل قرب أكتر، وخطواته كانت بتعمل صوت خروشة على أسفلت الساحة.. الصوت ده كان بيرن في وداني زي جرس إنذار. ملامحه كانت قاسية، وش الوشوش اللي الزمن مأثرش فيها غير إنه زودها لؤم وخباثة.
أمي اتكمشت في نفسها لورا، وبقت بتترعش زي عصفور بلله المطر، لدرجة إنها خبت الصورة المبهوقة بتاعتي ورا ضهرها وكأنها بتخاف عليه يلمحها.
وقف الراجل فوق راسنا، ضله غطى عليا وعلى أمي، وبصلي بنظرة كلها شماتة وقال بصوت الأجش:
— «سبحان الله.. فولة واتقسمت نصين، نفس الملامح ونفس العين الخضرا بتاعة زمان.. كبرت وبقيت راجل ببدلة وساعة وقيمة يا شريف.. عاش من شافك يا ابن مصطفى».
وقفت على رجلي.. الدم كان بيغلي في عروقي، وعيني كانت بتطلع شرار. مسكت الراجل ده من ياقة جلبابه بعنف وعصبيتي عمتني:
— «أنت مين؟ وعايز إيه؟ وإيه علاقتك بأبويا وأمي؟ أنطق بدل ما أدفنك مكانك هنا في الساحة!»
الراجل متهزش.. بالعكس، ضحك ضحكة صفرا خبيثة سمّعت الناس اللي حوالينا، وقام شادد إيدي من على جلبابه بالراحة وهو بيقول بثقة تترعب منها:
— «جرى إيه يا ستمية بيه؟ وسّع إيدك كده واهدى.. الغشم مش حلو، وأبوك الله يرحمه كان عاقل وبيفهم في الأصول، وعشان كده عاش مستور ومات مستور.. السيرة أطول من العمر يا ابن مصطفى، وإيدك دي لو اتمدت تاني، السر اللي أبوك دفع فيه دمه وعمره كله عشان يداريه.. هبقى أنا أول واحد هيبعثه في مكبرات الصوت بتاعة الحسين فجر النهاردة».
أمي صرخت بصوت مكتوم وهي بتمسك رجلي:
— «بوس إيدك يا شريف سيبه.. سيبه ومشينا من هنا.. ده مبرحمش.. ده معندوش قلب!»
بصيت للراجل وأنا لسه مشدود، والفضول والخوف بياكلوا في قلبي.. سألته بأسنان كازة على بعضها:
— «أبويا مات.. والفلوس اللي كانت بتجيلك كل شهر اقطعت.. عايز إيه تاني؟»
قرب الراجل من ودني، وهمس بكلمات خلّت ركبي تخونني، والدنيا تسود تماماً في عيني:
— «عايز حق سكوتي الجديد يا شريف.. الفلوس اللي كان بيبعتها أبوك مكانتش عشان يداري على غلطة أمك زي ما هي مفهمتك ومفهمة أبوك.. أبوك كان بيبعت الفلوس دي عشان يداري على غلطته هو.. الغلطة اللي بدأت يوم ما أنت اتولدت!»
الراجل بعد عن ودني وهو لسه مبتسم نفس الابتسامة اللي بتقبض القلب، ورجع خطوتين لورا وسند على عصايته وبصلي من فوق لتحت بنظرة كلها تحدي.
الدنيا لفت بيا.. الساحة والناس والأنوار اللي حوالين المسجد كلها اتداخلت في بعضها. بصيت لأمي اللي كانت غرقانة في دموعها على الرصيف، وبقت بتبص للراجل بذهول وخوف، وكأنها هي كمان أول مرة تسمع الكلام ده. أمي زعقت بصوت مبحوح وهي بتترعش:
— «أنت بتقول إيه يا علوان؟ غلطة مصطفى إيه؟ مصطفى عاش طول عمره راجل شريف وميعرفش الحرام.. أنت هتبتلي عليه وهو في دار الحق؟»
علوان ضحك بسخرية وقال وهو بيبص لأمي:
— «يا حبة عيني يا أم شريف.. طول عمرك نية وماشية ورا قلبك. مصطفى فهمك إنه شال شيلتك ودارى على سرك، وفهمك إن البعد هو الحل عشان ابنك يكبر نضيف.. بس الحقيقة إن مصطفى كان بيلعب بيكِ وبيّ وبالمكتوب كله عشان يداري على المصيبة الكبيرة اللي عملها هو.. المصيبة اللي لو الولد ده عرفها، هيهد كل اللي بناه في ثانية واحدة».




