
وهنا عملت حاجة قطعتلي قلبي: معيطتش من الفرحة. غمضت عينها وكأنها بتستقبل ضربة كرباج بقالها سنين مستنياها تنزل عليها.
همست: — مكنش ينفع تلاقيني يا ابني.
— أبويا قالي إنك ميتة! سبعة وعشرين سنة! ليه عمل فينا كده؟
بصتلي بعيونها اللي شبه عيوني، ولأول مرة متهربتش بنظرها:
— أبوك معملكش حاجة وحشة.. أبوك صان الأمانة. شال الشيل لوحده واستحمل فوق طاقته عشان تكبر نضيف وراسك مرفوعة.
— صان أمانة إيه؟
— اللي أنا طلبتها منه.
الصورة وقعت من إيدها على الأرض.. صورتي وأنا عندي تمان سنين، آخر سنة شافتني فيها.
كملت، وصوتها كان هادي ومفيهوش ذرة غل، وده كان أرعب حاجة: — كان ممكن أخبط على بابك ألف مرة. شفت صورك في الجرايد، وعارفة ماركة عربيتك، ويوم ما بنتك اتولدت أنا عرفت. وأنا اللي اخترت أفضل هنا.
زعقت ودموعي نازلة: — ليه؟ في أم في الدنيا تختار الشارع وتسيب ابنها؟
وهنا قالتلي الجملة اللي رشقِت في نفوخي من ساعتها ومبتخلينيش أدوق النوم:
— أنا حرمتك من الأم.. عشان أضمن لِك الأب.
فضلت قاعد مش عارف.. هل اللي قدامي دي الست اللي رمتني، ولا الست الوحيدة اللي ضحت بجد وباعت عمرها عشاني؟
قالت وهي بتمسك إيدي، وكانت دافية زي نفس الصبح بتاع زمان: — مش أبوك اللي كدب يا شريف.. أنا اللي خليته يحلف على المصحف إنه يدفنّي قدام عينك. هو رفض وحاربني لآخر يوم في عمره. عشان كده طلب منك السماح وهو بيموت: عشان سمع كلامي أنا وعصى كلامه ليك.
جسمي بطل يتنفض فجأة. سكت تماماً وأنا ساند على الرصيف وإيدها في إيدي.
قالت: — بقالي سبعة وعشرين سنة بدعي ربنا في كل صلاة إنك متوصلش ليا. مش عشان مكسوفة من حالي.. لأ. عشان اليوم اللي هتعرف فيه أنا مشيت ليه، هتخسر صورة أبوك البطل اللي كنت بتعبده.. وأنا مش عارفة أنت هتقدر تستحمل الصدمة دي ولا هتهدك.
بصت لنقطة ورايا، تنهدت وطلعت الآه من قلبها، وبدأت تحكيلي السر الوحيد اللي أبويا حلفها متقولوش غير في قبرها.
يتبع في التعليقات..
قالت وهي بتمسك إيدي، وصوتها يادوب طالع وسط زحمة الساحة: «أبوك يا شريف مكانش كداب، أبوك كان مخير بين نارين.. نار إنه يكسر بقلبك ويعيشك في خزي، أو نار إنه يشيل ذنب كدبة عاش بيها لحد ما مات».
سكتت لحظة، ونظرة عيونها الخضرا كانت بتلف بين ملامحي وبين مائدة الرحمن القريبة مننا اللي الناس بدأت تتجمع حواليها. مسحت دموعها بطرف طرحتها القديمة وكملت:
— «من سبعة وعشرين سنة، لما كنت أنت لسه بتخطو في الدنيا، أنا غلطت.. غلطة زمان مكانش حد بيرحم فيها. أبوك وقف قدام أهله وقدام الدنيا كلها عشان يداري عليا، بس السكي..نة لما سرقتنا، والناس بدأت تتكلم، كان لازم واحد فينا يختفي عشان التاني يعيش نضيف. أنا اللي قولتله أدفني بالحيا يا مصطفى.. قولتله قسّم بالله قدام ابنك إني مت، عشان يعيش يبص في عيون الناس وراسه مرفوعة، وميقولوش أمه فلانة».
أنا كنت بسمع والكلام بينزل على وداني زي الصاعقة. البيزنس، السمعة، الاسم الشريف اللي أبويا بناه وسابهولي.. كل ده كان تمنه الست اللي قاعدة تشحت قدام جامع الحسين؟
قربت منها أكتر، وحسيت برعشة في كل جسمي:
— «غلطة إيه يا أمي؟ أنطقِ_ي بالله عليكي.. أبويا عاش بيموت في اليوم مية مرة، وكان كل شهر بيبعتلك الفلوس لغاية لوكاندة السيدة زينب.. قوليلي السير إيه؟»
بصتلي، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عيونها، همست وهي بتتلفت حواليها وكأن الماضي لسه بيطاردها:
— «الفلوس اللي أبوك كان بيبعتها.. مكانتش إيجار يا شريف.. دي كانت تمن سكوت الراجل اللي كان بيبتزنا.. الراجل اللي قالي لو مسبتيش البيت ومشيّتي، هيقولك على السر اللي هيخليك ترفع عينك في وش أبوك تاني.. والراجل ده يبيرجع تاني النهاردة، وواقف وراك وباصص علينا حالا!»
فضلت متسمر في مكاني، وضهر_ي اتشنج.. ومبقتش سامع غير دقات قلبي وهي بتترج وسط ساحة الحسين!
يتبع ..



