
لكن اللي ما عرفتيهوش، ولا عرفه حد غير ربنا وبعض الأطباء القدامى اللي معظمهم، هو إني كنت كل شهر أخصص جزءًا صغيرًا جدًا من أجرتي، وأعطيه لمن هم أشد منا فقرًا. كنت أعطي ليتامى، وأساعد مرضى لا يملكون ثمن الدواء، وأدفع فواتير كهرباء وماء لبيوت ما عندهم قوت يومهم. كنت أفعل ده في السر، ولا أسأل أحدًا يعرفني، ولا أريد منهم شكرًا ولا مدحًا كنت أؤمن إن الخير اللي نعمله في الخفاء هو اللي بيوصل مباشرة لرب العالمين.
حتى الذهب اللي بعتّه قطعة قطعة لما كبرتِ واحتجتِ مصاريف الدراسة ما بعتّه كله لنفسنا. جزء كبير منه كان قد تركه أبوكِ، وقلت لنفسي هذا المال جاء منه، فلنستخدمه في عمل خير يبقى ذكراه طويلاً. فدفعت
به تكاليف عملية لطفل صغير كان على وشك المۏت، وساعدت أسرة هاجرت من بلدها ولا تجد مأوى، وسددت ديونًا صغيرة لمن
خافوا من الناس. كل ده فعلته وأنا ساكتة، عشان ما يصل الكلام لحد ويقولوا إننا نتباهى أو نطلب ثناءً.
والشيء الأخير والأهم كنت دائمًا أدعو لكِ، ولكريم زوجكِ، في كل صلاة وفي كل سجدة. رأيتُ كريم رجلًا صالحًا في الجملة، لكن لاحظتُ أنه أحيانًا يميل للهدوء الزائد، وېخاف المواجهة حتى لو كانت الحق معه. قلت لنفسي ربما مع الوقت يتعلم، وربما الحياة تعلمه أن السكوت عن الحق ليس فضيلة، بل هو بداية للندم.
يا هند لا تحزني عليّ كتير، ولا تشعري إنني كنتِ تعيسة في دنياي. بالعكس كنت أسعد النساء، لأن ربنا رزقني بابنة مثلكِ، رزقني عملًا شريفًا، ورضا عن نفسي، وقدرة على مساعدة الغير. ولا تدعي كلام الناس أو تعليقاتهم تؤثر عليكِ، فالناس تتكلم من فراغ، ومن لا يملك في قلبه خيرًا لا يمكنه أن يرى إلا السوء في الآخرين.
وإذا قرأتِ هذه الكلمات، فاعلمي أن كل ما فعلته كان من أجل كرامتنا، ومن أجل أن تبقي رأسكِ مرفوعًا، وتعرفي أن الشرف ليس في المال أو المنصب، بل في القلب الطاهر واليد المعطاءة واللسان الصادق.
انتهى المحامي من القراءة، وترك الورقة بهدوء، ورفع عينيه نحونا.
أنا في تلك اللحظة كأن الأرض وابتلعتني. كل كلمة قرأتها كانت
كالسيف يدخل في جسدي ويقطع قلبي. تذكرت كلام أمي في العزاء، وتلميحات أختي، وضحكتها الساخرة، وسكوتي الجبان، وكيف نظرت لي هند في ذلك اليوم وهي تنتظر مني كلمة تدافع بها عن أمها، فلم أفعل شيئًا.
نظرت لهند فوجدتها تبكي ، لكن هذه المرة ليست دموع حزن فقط، بل دموع وفخر وندم معًا. قالت بصوت
كنت أقول دائمًا إن ماما أجمل الناس، وإن قلبها أطيب من الورد لكن
ما كنتش أعرف إن كل ده كان في السر، وإنها كانت تعطي وتعطي ولا تتكلم أبدًا. كانت تقول لي دائمًا اللي يعمل خير ما ينتظر حد يشكره، بل ينتظر رضا ربه وفهمتها دلوقتي بس.
التفتت إليّ فجأة، ونظرت لي نظرة لم أرَها من قبل لم تكن نظرة ڠضب ولا كره، لكنها كانت نظرة استفهام وألم، وقالت بصوت
كريم أنت كنت تسمع كل الكلام اللي قيل في العزاء، أليس كذلك؟
أحسست بلساني يلتصق بحنجرتي، ولم أقدر أرفع عيني لها، وقلت بصوت يكاد لا يُسمع
نعم كنت أسمع.
سألت وهي تمسح دموعها بيد مرتعشة
ولماذا لم تقل شيئًا؟ لماذا لم تدافع عنها؟ لماذا تركتهم يهينون ذكراها وهي لم تؤذِ أحدًا في حياتها؟
ترددت، ثم رفعت رأسي ونظرت لها بكل ما في قلبي من ندم، وقلت بصراحة تامة
كنت جبانًا يا هند
كنت خائفًا من المشاكل، خائفًا من أن يقول الناس إنني أتخاصم مع أهلي بسبب زوجتي، خائفًا من كسر الحواجز القديمة التي نشأت عليها، وظننت أن السكوت يحل كل شيء، وأنه أفضل من إثارة أي خلاف في يوم عزاء. لكنني لم أفكر للحظة في شعوركِ، ولا في كرامة أمكِ، ولا في أن ذكراها تستحق أن نحميها حتى بعد ۏفاتها. والآن بعد ما عرفت الحقيقة، أشعر وكأنني خذلتكِ مرتين مرة في حياتها، ومرة بعد ۏفاتها بسكوتي.
سكتنا جميعًا في المكتب لدقائق طويلة، لا نسمع فيها إلا صوت أنفاسنا ودموع هند التي لم تتوقف. ثم نظر لي المحامي وقال بصوت رصين
يا سيد كريم، الندم وحده لا يكفي، لكنه بداية الطريق الصحيح. السيدة فاطمة كتبت في وصيتها شيئًا أخيرًا خصصته لكِ أنت تحديدًا.
أعطاه ورقة صغيرة منفصلة، وقرأها بصوت هادئ
إلى كريم أعلم أنك قد تسمع كلامًا عني من بعض الناس، وقد تسكت كما هي عادتك. فلا تلوم نفسك كثيرًا، ولا تحمل فوق طاقتك. لكن تذكر دائمًا الكرامة لا تُطلب، ولا تُستعاد إلا بالوقوف بجانب الحق. إذا رأيتَ ظلمًا فلا تسكت عنه، وإذا سمعتَ إساءة فلا تمررها بسهولة. فما فات قد فات، وما بقي من العمر يمكن أن تصلحه بالعمل الصالح والكلام الطيب. كن




