منوعات

عزا حماتي

كنت جبان.
بعد ما الناس مشيت.
رجعنا البيت.
وهند ما قالتش كلمة واحدة.
ولا عيطت.
ولا اتخانقت.
بس دخلت أوضتها وقفلت الباب.
ومن يومها
بقت شخص تاني.
الضحكة اختفت.
والكلام قل.
وحتى نظرتها ليا اتغيرت.
لكن الحقيقية جات بعد أسبوع.
لما واحد محامي اتصل بهند.
وقالها إنها لازم تحضر لمكتبه ضروري.
افتكرنا في الأول إن فيه مشكلة في أوراق تخص أمها.
لكن أول ما دخلنا المكتب
المحامي طلع ملف كبير.
وقال
مدام فاطمة كانت موصية أسلم الحاجات دي بعد ۏفاتها.
وبدأ يطلع أوراق وصور قديمة.
وفي وسطهم
صورة خلتني أتجمد مكاني.
الصورة كانت لأم هند.
لابسة زي رسمي.
وواقفة جنب مجموعة من الأطباء.
استغربت.
وقبل ما أسأل
المحامي قال
والدة مدام هند كانت من أوائل الممرضات المتطوعات أثناء حاډث القطار الكبير سنة 1998.
سكت لحظة وكمل
أنقذت عشرات المصابين يومها.
هند بصتله .
وقالت
ماما عمرها ما قالتلي.
ابتسم المحامي بحزن.
حكايات بسمه
وقال
في حاجات كتير ما قالتهاش.
وبعدين فتح ظرف تاني.
وقال
لأن والدتك كانت طول عمرها بتخبي الحقيقة.
ساعتها حسيت إن فيه حاجة أكبر بكتير جاية.
لكن عمري ما توقعت إن الحقيقة اللي هنعرفها بعدها بدقايق
هتخليني أندم على كل
مرة سكت فيها وأهلي بيهينوها.
لأن المحامي بص لهند وقال
وقال بصوت هادئ لكنه واضح
والدتك فاطمة ما كانت مجرد ممرضة متطوعة في ذلك اليوم، ولا في تلك الفترة بس كانت طول عمرها بتعمل خير في السر، وما بتحبش تتكلم عنه قدام حد، ولا حتى قدامك أنتِ.
نظرت له هند وعينيها مليانة دموع، وقالت بصوت متقطع
يعني إيه؟ ماما قالت لي دائمًا إنها خياطة ونظفت بيوت عشان تقدر تربيني إيه الحكاية دي كلها؟
المحامي أشار لورقة كبيرة مطوية قدامه، وفتحها ببطء، وقال
تعالي أقرأ لكِ الوصية اللي كتبتها بخط يدها قبل سنتين، وطلبت مني ما أطلعها إلا بعد ما تخلص أيام العزاء تمامًا، عشان ما تضيع الوقت في أسئلة وهي محتاجة تسترجع قواها.
بدأ يقرأ بصوت هادئ، ونحن نسمع وقلوبنا بتدق بسرعة كأنها هتطلع من مكانها
إلى ابنتي الغالية هند لو أنتِ بتقرأين الكلام ده، فمعناه إن ربنا أخذ أمانته، وذهبتُ لجواره. طول عمري خبيت عنكِ حاجات كتير، مش عشان أخدعكِ، ولا عشان أخفي عنكِ حاجة سيئة، بل بالعكس عشان ما أشعركش يومًا إنكِ كنتِ عبء عليّ، أو إن تعليمكِ وتربيتكِ جاءا من طريق صعب أو من مساعدة حد.
أولًا أنا فعلاً كنت ممرضة متدربة في بداية شبابي، وبعد ما

تزوجت أبوكِ واشتغلنا مع بعض، لكن الحاډث اللي حصل في سنة 1998 غير كل حياتنا. أبوكِ كان راكبًا في ذلك القطار،
ونجا بأعجوبة لكن أصيب إصابات ، بعدها بشهور رغم كل ما فعلته. ومن يومها، ما بقتش أملك مصدر دخل كبير، وكل ما كان معانا صرفته على علاجه، وبعد ۏفاته بقيت وحدي وأنتِ صغيرة جدًا لا تزيدين عن خمس سنين.
وقتها الناس عرضوا عليّ مساعدات كتير، لكن رفضتها ما كنتش عايزة حد يقول لابنتي يومًا فلانة ربتها بفلان، أو عاشت على مساعدة الناس. فاخترت أشتغل أي عمل شريف يأكلنا خبزًا حلالًا، سواء كان خياطة أو تنظيف بيوت، أو حتى حمل أغراض من السوق للناس القدامى كل ده عشان تبقي كرامتنا سليمة، وما يبقى لحد علينا فضل.

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى