منوعات

جالي ابني حكايات روماني مكرم

وقلعت المريلة.

واتسندت على رخامة المطبخ شوية.

افتكرت أربعين سنة بحوش فيهم جنيه على جنيه.

افتكرت كل الحاجات اللي حرمت نفسي منها وأنا بقول: “بكرة أهم.”

افتكرت السفرات اللي ما سافرتهاش عشان أوفر.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وافتكرت كل الكلام اللي كنت بقوله لعمرو وهو صغير: إن الفلوس لازم تتصان، عشان الدنيا مالهاش أمان.

وافتكرت حقيقة واحدة بس كانت واضحة قدامي:

لو اديتهم الفلوس دي… عمري ما هشوفها تاني.

خرجت من المطبخ بخطوات تقيلة، بحاول على قد ما أقدر أبان طبيعية. وشي كان خالي من أي تعبير، بس جوايا كان فيه بركان شغال. بصيت لهبة لقيتها قاعدة ماسكة تليفونها وبتفر فيه، ولما شافتني رفعت راسها وابتسمت ابتسامة مبالغ فيها وقالت: “تسلم إيدك يا طنط، الأكل كان تحفة والعيال كلوا لما شبعوا”.

هزيت راسي وقلت بابتسامة باهتة: “بالهنا والشفا يا بنتي”.

دخل عمرو من البلكونة، كان باين عليه التوتر، عينيه كانت بتتنقل بيني وبين هبة كأنه بيستمد منها الشجاعة. قعد على الكرسي وقرب مني وقال: “بقولك إيه يا أمي.. ما تجيبي كوبايتين شاي ونقعد نتكلم شوية في الصالة؟ العيال ملهيين في الكارتون، وإحنا بقالنا كتير مقعدناش سوا قعدة روقان”.

فهمت طبعًا إن دي الإشارة لبداية “الخطة”. دخلت عملت الشاي وأنا بجمع أفكاري. أنا مش هبان ضعيفة، ومش هبين إني سمعت حاجة، هسيبهم يقولوا اللي عندهم الأول.

قعدنا، وهبة كانت بتفرك في إيديها، وعمرو بدأ الكلام بتمهيد طويل عن الغلاء، والمدارس، ومصاريف الحياة اللي بقت فوق طاقة أي حد. كنت بهز راسي وبسمع وبشرب الشاي في صمت تمام، لحد ما عمرو سكت شوية، وبص لهبة، وبعدين بصلي وقال بنبرة صوت فيها رجاء:

— “بصي يا أمي.. أنا واقع في ضيقة كبيرة، وأقساط الشقة الجديدة خانقاني، ولو مادفعتش القسط الجاي في معاده الشركت هتعملي غرامة وممكن يسحبوا الشقة.. أنا كنت عايز أطلب منك خدمة، وأنا عارف إنك مش هترديني”.

هنا هبة دخلت في الكلام بسرعة وقالت:

— “يا طنط إحنا عارفين إنك شقيانة في القرشين دول، بس عمرو والله هيرجعهم أول ما البونص ينزل السنة الجاية، إحنا بس محتاجين المبلغ ده يفك الأزمة دلوقتي بدل بهدلة القروض وفوايد البنوك اللي هتقطم وسطنا.. وإنتي هنا يعني مش محتاجة المبلغ كله في حاجة دلوقتي”.

الكلمة الأخيرة دي “مش محتاجة المبلغ كله في حاجة” نزلت على قلبي زي السكينة. بصيت لعمرو ولقيت عينيه مليانة ترقب، وبصيت لهبة اللي كانت منتظرة كلمة “موافقة”.

سكتّ لثواني كانت كأنها سنين، أفكار كتير دارت في دماغي.. لو رفضت قاطع، عمرو هيزعل ويمكن يقطع رجله عني، وهبة هتقلب العيال عليّ ومش هشوفهم تاني. ولو وافقت، هكون بضيع شقى عمري بإيديا وأنا عارفة إن الفلوس دي مش هترجع.

حطيت كوباية الشاي على التربيزة، وأخدت نفس طويل، وقلت بنبرة هادية وموجعة:

— “والله يا عمرو يا ابني.. أنا نفسي أساعدك، بس…”

وفجأة سكت، وبصيت لهم هما الاتنين، وشفت ملامحهم وهي بتتغير من الترقب للصدمة أول ما سمعوا كلمة “بس”.

— “بس إيه يا أمي؟” عمرو قالها وهو بيقرب مني، وملامحه اتخطفت، وعينيه اتملت قلق ممزوج بلهفة.

أما هبة، فابتسامتها اختفت تمامًا، وظهرت على وشها علامات الضيق اللي حاولت تداريها بسرعة وهي بتقول: “خير يا طنط؟ في حاجة ولا إيه؟”

بصيت لعمرو في عينيه مباشرة، وحسيت بنغزة في قلبي، بس افتكرت كلمتها في التليفون *”وهي أصلًا محتاجة الفلوس في إيه؟”*، فاستجمعت قوتي وقلت بنبرة هادية ومستسلمة مصطنعة:

— “البركة في أخوك يا عمرو.. طارق جالي من أسبوعين، وكان بيمر بظروف صعبة جدًا في شغله، وكان عليه شيكات ومهدد بالحبس.. ومكنش ينفع أسيبه يضيع قدام عينيا.”

عمرو وقف فجأة من طوله، وعينيه وسعت من الصدمة:

— “طارق؟! وطارق ماله ومال فلوسك يا أمي؟ وهو فين طارق ده أصلاً اللي مبيسألش عليكي بالشهور؟ دخل عليكي بكلمتين وخد شقى عمرك كله؟”

هبة اتدخلت بسرعة، وصوتها علي من غير ما تحس:

— “يعني إيه يا طنط؟ يعني الفلوس كلها راحت؟ مفيش حاجة خالص باقية؟ إحنا كنا معتمدين على الله ثم عليكي في القسط ده! طارق طول عمره مستهتر وبياخد ومبيرجعش، تضيعي نفسك وتضيعينا معاه؟”

كلام هبة كشف المستور تمامًا، مابقاش فيه تمثيل ولا ود متبادل، الوش الحقيقي ظهر أول ما المصلحة اتهددت.

قعدت مكاني بكل برود، وربعت إيديا وقلت:

— “يا بنتي، طارق ابني زي عمرو بالظبط، ولما جالي وبكى وقال الصكوك هتدخله السجن، مكنش ينفع أقوله لأ. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأخ والأمان مابيرجعوش.. أنا اديته الجزء الأكبر من التحويشة، ومبقيش معايا غير مبلغ صغير خالص شايلاه لمصاريف علاجي وأكلي وشربي.. يعني يدوب يكفيني لأخر العمر.”

عمرو بدأ يلف في الصالة وهو بيخبط كف على كف، وعصبيته بتزيد:

— “يا أمي حرام عليكي، طارق بيضحك عليكي، ده تلاقيه أخد الفلوس يسافر بيها ولا يغير عربيته! وإحنا اللي بنطحن في قسط الشقة عشان نأمن مستقبل عيالك، نطلع من المولد بلا حمص؟”

في اللحظة دي، هبة وقفت، وبصت لعمرو بنظرة حادة كلها لوم وعتاب، وكأنها بتقوله: “مش قلتلك خطتك هتفشل؟” وبعدين التفتت ليّ وقالت بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:

— “تمام يا طنط.. ربنا يقدم اللي فيه الخير. عمرو، يلا بينا نلم الهدوم عشان نلحق نرجع، العيال وراهم مذاكرة كتير بكره، والقعدة هنا مابقاش ليها لزوم.”

عمرو بصلي بنظرة عتاب مكسورة، ومحاولش حتى يهدّي مراته أو يقولها نقعد زي ما كنا متفقين. دخلوا الأوضة وابتدوا يلموا الشنط بصوت عالي، والعيال خرجوا من الصالة مستغربين ومش فاهمين إيه اللي حصل فجأة.

آدم الصغير قرب مني وقالي: “هو إحنا ماشيين يا تيته؟ مش كنا هنقعد معاكي ليوم الاثنين؟”

دموعي كانت هتخوني، بس مسكت نفسي، طبطبت عليه وقلت: “معلش يا حبيبي، بابا وماما عندهم شغل مهم.”

في خلال نص ساعة، كانوا واقفين على باب الشقة والشنط في إيديهم. عمرو مأخدنيش في حضنه زي كل مرة، اكتفى بإنه باس إيدي من فوق الوش وقال ببرود: “لا إله إلا الله يا أمي.. هبقى أكلمك اطمن عليكي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى