
قدماي تؤلمانني.
توقف فورًا.
لم يتبقَّ الكثير قال.
لم يكن صوته خشنًا ولا متلعثمًا. كان عميقًا، مهذبًا، ثابتًا.
عبرنا بين الأشجار حتى وصلنا إلى مساحة مفتوحة، وهناك رأيت ثلاث سيارات سوداء فاخرة ولامعة. كان عدة رجال يرتدون بدلات رسمية ينتظرون.
وحين رأوا ذلك المتسوّل، اعتدلوا في وقفتهم فورًا.
قال أحدهم وهو يفتح باب السيارة
سيدي الفريق الطبي جاهز.
تراجعت حتى ظهري بجذع شجرة.
ما هذا؟ قلت .
الرجل لحيته المزيفة، ثم نزع القبعة والسترة القديمة. وتحت ذلك كله
ظهر رجل شاب، نظيف، ملامحه جادة، وله حضور جعلني أعجز عن الكلام.
رفع يديه كي لا يخيفني، وقال بهدوء
اسمي آدم الراوي. أنا صاحب مجموعة الراوي القابضة ومؤسسة الراوي الخيرية. سائقي من قريتكم. عرف بما كانت سعاد تنوي فعله، فأخبرني.
كنت قد سمعت هذا الاسم من قبل في الأخبار. مشاريع ضخمة، مصانع، مستشفيات، تبرعات، شركات في عمّان والعقبة وخارج الأردن.
أغنى رجل في البلاد.
قلت وأنا أرتجف
أنت تكذب.
لم يغضب.
من حقك ألا تثقي بي. هناك طبيبة في السيارة الأولى، وممرضة في الثانية. يمكنك الذهاب معهما من دوني. إن أردتِ الاتصال بالشرطة، سنتصل. إن أردتِ محامية، ستحصلين عليها. لكنك الآن حامل، منهكة، ضعيفة، وترتجفين من البرد. أولًا سنجعلك تشعرين بالدفء.
كلمة الدفء كسرت شيئًا داخلي.
لم يخاطبني أحد بعناية منذ أشهر.
أدخلوني إلى سيارة دافئة. الطبيبة ضغطي. أعطتني الممرضة حساءً ساخنًا في كوب.
وقبل أن أشرب، بكيت فوق البخار.
بعد ساعتين، وصلنا إلى منزل واسع على البحر قرب العقبة. كان كبيرًا، مضيئًا، مستحيلًا بالنسبة لفتاة خرجت للتو من بيت ضيق مليء بالقسۏة.
لم يحاول آدم أن يلمسني دون إذني. أمر بإحضار أطباء، وملابس نظيفة، وفيتامينات، وطعام خفيف، وغرفة تطل على الماء.
قال الأطباء إن حملي عالي الخطۏرة، وإنني أعاني فقر ، وجفافًا، وإرهاقًا شديدًا.
لكن أحدًا لم ينادِني .
لم يقل أحد إنني مذنبة.
نادوني مريضة.
ناجية.
أمًا شابة في خطړ.
ذلك الفرق غيّر شيئًا داخلي.
خلال الأسابيع التالية، بقي آدم قريبًا، لكنه لم يكن خانقًا. كان يطرق الباب قبل الدخول. كان يرسل لي كتبًا، وشوكولاتة ساخنة، وألعاب تركيب، وخيوطًا للتطريز بعدما أخبرته إحدى الممرضات أنني ألوّي أطراف الأغطية عندما أتوتر.
في إحدى الليالي، سألته
لماذا تساعدني؟
نظر إلى ڼار المدفأة طويلًا، ثم قال
لأنني كبرت في بيوت كان الكبار فيها يرون الألم، وينتظرون أن يفعل شخص آخر شيئًا. الآن لدي مال، وناس، ونفوذ. لا أريد أن أكون مجرد شخص آخر ينظر بعيدًا.
كانت تلك أول مرة أصدق فيها أن الحياة ربما لا تزال تملك بابًا آخر.
الجزء الثالث
وُلد ابني في فجر من يناير.
استمرت الولادة ساعات، وظننت أنني لن أتحمل. بقي آدم في الخارج حتى قالت له الطبيبة إنه إن كان سيظل قريبًا، فليدخل على الأقل ويمسك يدي.
فيه أن يخرج.
ثم توسلت إليه ألا يتحرك.
ثم بكيت لأنني كنت .
لم يذهب.




