Uncategorized

لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح

كان ميغيل موهوبا في الرياضيات أما دانيال فكان مولعا بالفيزياء وكثيرا ما كان يسألها
يا معلمتي لماذا تستطيع الطائرات أن تطير
فتبتسم ماريا وتربت على رأسه برفق وتجيب
لأن الأحلام

تمنحها قوة الارتفاع.
مرت السنوات. كبر ميغيل ودانيال وسط أصوات باعة اليانصيب وأعمال البناء المؤقتة في عطلات نهاية الأسبوع والكتب المستعارة من مكتبة المدرسة. لم تشتر ماريا لنفسها فستانا جديدا قط لكن تعليم ولديها لم ينقصه المال يوما.

في اليوم الذي قبل فيه ميغيل ودانيال في أكاديمية تدريب الطيران بكت ماريا طوال الليل. كانت تلك أول مرة تسمح فيها لنفسها بأن تؤمن حقا بأن التضحية قد تزهر يوما ما.
بعد خمسة عشر عاما في مطار مانيلا المضيء والمزدحم وقف طياران شابان بزي رسمي أنيق ينتظران امرأة شاب شعرها وابيض معظمه. كانت ماريا ترتجف وهي تنظر إليهما عاجزة عن الكلام حين تقدمت امرأة أخرى من الخلف.

عرفت تلك المرأة نفسها بأنها الأم البيولوجية لميغيل ودانيال. تحدثت عن سنوات من الفقر المدقع وعن القرار المؤلم الذي دفعها للتخلي عن طفليها. وفي النهاية وضعت على الطاولة ظرفا يحتوي على عشرة ملايين بيزو قائلة إن هذا هو ثمن تربيتهما في ذلك الوقت وطلبت أن تستعيد ولديها.

ساد الصمت فجأة في المطار.
دفع ميغيل الظرف بلطف إلى الخلف وقال بصوت هادئ وحازم
لا يمكننا قبول هذا.
وتابع دانيال وعيناه محمرتان لكن صوته ثابت
أنت أنجبتنا لكن التي ربتنا وجعلتنا ما نحن عليه اليوم هي السيدة ماريا.
ثم التفت الشقيقان وأمسكا بيدي معلمتهما وأعلنا قرارهما النهائي
سنكمل
الإجراءات القانونية لجعل السيدة ماريا أمنا الشرعية. من اليوم واجبنا وحبنا ولقب الأم يعود لشخص واحد فقط.
انهارت المرأة الأخرى بالبكاء بينما انفــــــ،جرت ماريا بالبكاء بين ذراعي الطفلين اللذين حملتهما يوما تحت المطر. وفي الخارج اختر، قت طائرة السحب وارتفعت في السماء.
بعض الأمهات لا يلدن أبناءهن لكنهن من يمنحنهم أجنحة ليطيروا بها طوال الحياة.

اختفت الطائرة ببطء خلف طبقات السحب البيضاء تاركة أثرا لامعا من ضوء الشمس على المدرج. وقفت ماريا صامتة ويداها لا تزالان ممسكتين بقوة بيدي ابنيها كأن تركهما قد يبدد هذا الحلم.
انحنى ميغيل ودانيال أمامها وقالا بصوت واحد خافت
يا أمي عودي معنا إلى البيت

.
لأول مرة في حياتها سمعت المرأة التي كانت تنادى دائما بالمعلمة تلك الكلمة المقدسة. لم تكن هناك حاجة لوعود أخرى ولا لوثائق تثبت ذلك. كانت تلك اللحظة وحدها كافية لنقش حقيقة في قلبها العائلة لا تصنع بالدم بل بسنوات الجوع المشترك وبالدراسة تحت ضوء مصباح زيت خافت وبالإيمان بالمستقبل جنبا إلى جنب.

في ذلك المطار المزدحم وقفت أم لم تلد أبناءها قط
لكنها كانت من غذت أحلامهم ومنحت حياتين أجنحتهما.
ومنذ ذلك اليوم كان كل إقلاع لطائرة في سماء الفلبين
يحمل همسة صامتة في قلبي الطيارين الشابين
أمي نحن نطير الآن.
استمر تدفق الناس في مطار مانيلا الدولي

كمد لا يهدأ لكن بالنسبة لهم الثلاثة بدا الزمن وكأنه تجمد في لحظة صافية. أما المرأة الأخرى الأم البيولوجية فقد التقطت الظرف بهدوء وارتجفت كتفاها وهي تختفي وسط بحر المسافرين. لم تحمل في قلبها ضغينة كانت تعلم أن هناك فراغات في الزمن لا يملؤها الذهب وأن هناك روابط نسجت بالتضحية بإحكام جعلها تفقد منذ زمن حق المطالبة بها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى