
الطبيب اختلط ذلك الخوف القديم في ذهنها بي. لم تكن تكرهني كانت تراني مثل الغريبة التي قد تأخذ ابنها.
شعرت بالغثيان من شدة الذنب.
كنت أراها خىطرا بينما كانت هي تعيش أسيرة خىطر قديم لم يغادرها.
وصف الطبيب علاجا لطيفا وبعض الأدوية لكنه شدد على نصيحة واحدة الصبر والاتساق.
قال الصذمة لا تختفي لكن الحب يمكن أن يجعل صوتها أهدأ.
في تلك الليلة جاءتني مارجريت باكية.
همست لا أريد إخافتك فقط أريد أن أتأكد أن ابني بخير.
للمرة الأولى مددت يدي وأمسكت يدها.
قلت لها بهدوء لا داعي للطرق بعد الآن. لا أحد سيأتي إلينا. نحن بخير معا.
فانهارت بالبكاءلا كامرأة ناضجة بل كطفلة شعرت أخيرا أن أحدا يفهمها.
لم تكن الأسابيع التالية سهلة على الإطلاق. كانت مارجريت تستيقظ أحيانا مذعورة تتلفت حولها وتقول بصوت
مرتجف إنها سمعت خطوات في الممر كأن الماضي ينهض من رماده ليسير في بيتنا. وكنت في بعض الليالي أفقد أعصابي يضيق صىدري من التعب والسهر والخوف لكن ليام كان يضع يده على كتفي دائما ويقول برفق هي ليست عدونا هي فقط ما زالت تتعالج وما زالت تتعلم كيف تثق بالعالم من جديد.
حينها أدركت أننا بحاجة إلى روتين يربطنا بالأمان أكثر مما يربطنا بالقلق.
فبدأنا عادة جديدة
كل ليلة قبل أن نطفئ الأنوار نفحص الأقفال والنوافذ معا. نتحقق من كل شيء ببطء خطوة بعد خطوة حتى تطمئن مارجريت ويطمئن قلبها الذي لم يعرف الهدوء منذ زمن طويل. ثبت ليام قفلا إلكترونيا حديثا يغلق تلقائيا وكنا نجلس بعد ذلك في المطبخ الصغير نحتسي الشاي الدافئ بدلا من الخوف.
ومع الوقت بدأت مارجريت تتحدث أكثر.
كانت تحكي عن زوجها الراحل
عن الليلة المظىلمة التي غيرت حياتها وعن السنوات التي تلتها وكيف كان النىوم يهرب منها كلما أغمضت عينيها. وفي بعض الليالي كانت تنظر إلي بامتنان خافت وكأنها تخبرني دون كلام أنها بدأت تراني للمرة الأولى كما أنا لا كما رسمها الخوف في ذهنها.
وببطء توقفت طرقات الثالثة فجرا.
تغير شيء في البيت.
عينا مارجريت أصبحتا أكثر دفئا وصوتها أقل ارتجافا وابتسامتها عادت تشق طريقها من جديد خجولة لكنها صادقة.
قال الطبيب إن هذا تقدم. أما أنا فسميته سلاما السلام الذي لم يبن في ليلة واحدة بل تشكل مثل الضوء حين يتسلل تدريجيا إلى غرفة مظىلمة.
وفي النهاية أدركت شيئا لم أكن أفهمه من قبل.
أدركت أن شفاء إنسان لا يعني إصلاحه كآلة مكىسورة ولا يعني أن الماضي يطوى كما تطوى ورقة وتلقى جانبا. فالجىراح التي يخلفها
الخوف لا تغلق بقرار والذكريات التي تربي داخلها الظلال لا تختفي لأنها لم تعد مرغوبة.
الشفاء الحقيقي هو أن نمد يدنا لشخص تائه في عتمته ونمشي معه خطوة بخطوة حتى وإن تعثر. هو أن نبقى بجواره عندما يعود الخوف ليطرق قلبه وأن نذكره بأن الطريق طويل لكنه ليس وحده فيه.
هو أن نكون نورا بسيطا وصغيرا يكفي فقط لإزاحة الظلام عن الخطوة التالية.
وبمرور الوقت يعود النور إلى قلبه ببطء شديد كأن الحياة تتسلل من جديد إلى بيت ظل طويلا غىارقا في الصمت والقلق والخوف.
وهكذا حين توقفت طرقات الثالثة فجرا لم نحتفل بانطفاء الصوت بل احتفلنا بعودة الروح.
احتفلنا بقدرة إنسان جريح على أن يثق مرة أخرى وعلى أن يفتح قلبه للحياة بعد أن عاش عقودا خلف أبواب مغلقة وهو ينتظر خطرا لن يعود أبدا.
كان ذلك انتصارا صغيرا
لكنه كان أعظم سلام عرفناه.




