منوعات

لقيت أمي راكعة على الأرض

رجعت قبل معادي بـ6 سنين ولقيت أمي بتنضف بيتها لأخويا.. وعلبة الدواء كشفت السر
رجعت قبل معادي بـ6 سنين، ولقيت أمي راكعة على الأرض بتنضف عصير واقع، في الوقت اللي أخويا قاعد مرتاح في البلكونة ولا كأن في حاجة.

سألته:

— إيه اللي بيحصل هنا؟

ضحك باستخفاف وقال:

— عشان البيت ده بقى بتاعي.

ما صرختش، وما دخلتش معاه في خناقة.

طلعت موبايلي واتصلت بالمحامية قدامه.

لكن وأنا ببص ناحية أمي، لمحت علبة دوا جنب جردل التنضيف.

ولما مسكتها وقريت الاسم المكتوب عليها، بدأت أفهم إن موضوع البيت مش هو المشكلة الوحيدة.

العودة المفاجئة
أنا أدريانا.

بقالي سنين بشتغل بره البلد في إدارة المشروعات الفندقية، وكان المفروض عقدي يستمر ست سنين كمان.

لكن الشركة عرضت عليا منصب جديد في بلدي، فقررت أرجع وأعمل لأمي مفاجأة.

ما قلتش لأخويا ألفارو، ولا لمراته لورينا.

كنت متخيلة إني أول ما أدخل البيت ألاقي أمي في الجنينة وسط الورد اللي بتحبه، أو في المطبخ بتجهز حاجة وتقول لي جملتها المعتادة:

— إنتِ جاية من السفر من غير ما تقولي؟

لكن أول ما وصلت، حسيت إن في حاجة غلط.

باب الفيلا كان مفتوح.

دخلت وأنا شايلة شنطتي، ولقيت أمي راكعة على الأرض، ماسكة فوطة وبتنضف عصير متكوب.

أمي كان عندها 69 سنة.

طول عمرها ست قوية ونشيطة. كانت بتدير البيت كله، تعمل عزومات للعيلة، وتهتم بزرعها، وما تعرفش تقعد دقيقة من غير شغل.

لكن الست اللي قدامي ما كانتش أمي اللي أعرفها.

هدومها بسيطة، شعرها مش مرتب كعادتها، ووشها باين عليه الإرهاق.

ومن بعيد سمعت صوت أخويا:

— افركي كويس يا ماما… لو فضل أثر، لورينا هتتضايق.

اتجمدت مكاني.

قلت:

— ماما؟

رفعت عينيها ناحيتي.

والصدمة إنها فضلت ثواني تبصلي كأنها بتحاول تفتكر أنا مين.

قالت بصوت هادي:

— حاضر يا بنتي… هخلص دلوقتي.

قربت منها بسرعة ومسكت إيدها.

— ماما، أنا أدريانا.

رمشت أكتر من مرة.

وفجأة وشها اتغير.

— أدريانا؟ إنتِ رجعتي؟

حضنتها.

إيديها كانت بترتعش.

أخويا ظهر
في اللحظة دي ظهر ألفارو.

وقف عند باب البلكونة وبصلي بدهشة.

— أدريانا؟ إنتِ رجعتي إمتى؟

قلت من غير مقدمات:

— ليه ماما بتنضف الأرض بالشكل ده؟

رد بمنتهى البرود:

— هي بتحب تعمل حاجة وتفضل مشغولة.

بصيت له.

— وهي لازم تعمل ده بنفسها؟

قبل ما يرد، لورينا نزلت من فوق.

كانت متشيكة جدًا، وقالت:

— كان ممكن تقولي إنك جاية. إحنا فاكرينك لسه بره البلد.

الجملة نفسها خلتني أشك أكتر.

أنا طول السنين اللي فاتت ما نسيتش أمي يوم واحد.

كل شهر كنت ببعت مبلغ ثابت يكفي علاجها، ومصاريف البيت، وصيانة الفيلا، وكمان مرتب كارمن، السيدة اللي كانت بتقعد معاها معظم الأسبوع.

والبيت نفسه؟

أنا اللي اشتريته من فلوسي من سنين، وسجلته باسمي، لكن سيبته لأمي تعيش فيه طول عمرها.

سألت:

— فين كارمن؟

أخويا سكت لحظة.

— مشيت.

— إمتى؟

— من فترة.

— ومحدش قالي؟

هز كتفه.

— إنتِ مشغولة طول الوقت، فقولنا مانعطلكيش.

علبة الدواء
رجعت ببصري لأمي.

جنب جردل التنضيف كانت فيه علبة دوا صغيرة.

انحنيت ومسكتها.

قريت الاسم، لكني ما عرفتش الدواء.

اللي شد انتباهي أكتر كان اسم المريض المكتوب على الملصق.

لورينا ألفاريز.

بصيت لمرات أخويا.

— ده علاجك؟

اتوترت وقالت:

— أيوه… وقع مني غالبًا.

لكن أمي قالت فجأة:

— لأ، ده اللي بيدوهولي بالليل.

سكت البيت كله.

بصيت لأمي.

— مين بيديكي الدوا ده يا ماما؟

قالت وهي بتحاول تفتكر:

— لورينا… بتقول الدكتور قال آخده علشان أنام.

ملامح أخويا اتغيرت.

قرب وقال بسرعة:

— ماما بتتلخبط اليومين دول، ما تاخديش كل كلامها بجدية.

قلت:

— طيب مين الدكتور اللي بيتابع حالتها؟

ما ردش.

كررت السؤال.

— اسم الدكتور إيه يا ألفارو؟

قال:

— مش فاكر اسمه دلوقتي.

في اللحظة دي عرفت إن لازم أتصرف بهدوء.

أول قرار
ما اتهمتش حد.

وما اديتش لأخويا فرصة يحول الموضوع لخناقة.

اتصلت بطبيبة الأسرة اللي كانت أمي بتتابع معاها من سنين.

شرحت لها اللي شوفته، وطلبت منها ميعاد في أسرع وقت لمراجعة كل الأدوية اللي أمي بتاخدها.

بعدها اتصلت بالمحامية بتاعتي.

قلت قدام ألفارو:

— محتاجة نسخة حديثة من كل أوراق ملكية الفيلا وأي مستندات أو توكيلات اتعملت باسمي أو باسم والدتي.

أخويا ضحك.

— متتعبيش نفسك. البيت بقى بتاعي.

بصيت له.

— إزاي؟

دخل أوضته ورجع بملف.

حطه قدامي وقال:

— ماما تنازلتلي عنه من سنة.

فتحت الملف.

كان فيه عقد.

لكن بعد أول صفحة عرفت إن فيه مشكلة.

الفيلا أصلًا مسجلة باسمي.

أمي لها حق الإقامة والانتفاع بها، لكنها لا تملك نقل ملكيتها.

قلت بهدوء:

— الورقة دي ما تنقلش ملكية البيت.

قال:

— عندنا أوراق تانية.

رديت:

— ممتاز. المحامية هتشوفها كلها.

الحقيقة بدأت تظهر
في اليوم التالي أخذت أمي لمراجعة طبية شاملة.

بعد مراجعة الأدوية، اتضح إن جزءًا من تعبها ودوختها وتشوشها ممكن يكون مرتبطًا بطريقة استخدام بعض الأدوية وعدم انتظام جرعاتها.

الطبيبة عدلت الخطة العلاجية وطلبت متابعة مستمرة.

أنا ما كنتش عايزة أسبق التحقيق أو أتهم حد بحاجة من غير دليل.

لكن كان عندي سؤال أهم:

فين الفلوس اللي كنت ببعتها؟

طلبت كشوف التحويلات القديمة.

ثم قارنتها بالمصاريف الحقيقية.

اكتشفت إن مرتب كارمن استمر يتسحب عدة شهور بعد ما توقفت عن العمل.

ومصاريف صيانة البيت تضاعفت تقريبًا، رغم إن أجزاء واضحة منه كانت محتاجة إصلاح.

الأغرب إن أمي قالت لي:

— أنا كنت فاكرة إنك وقفتي تبعتي فلوس.

قلت:

— مين قالك كده؟

ردت:

— ألفارو قال إن شغلك اتعطل وإن لازم نوفر.

بصيت لها ومقدرتش أتكلم للحظات.

أنا كنت ببعت نفس المبلغ كل شهر.

رجوع كارمن
وصلت لكارمن بعد يومين.

وأول ما عرفت إني رجعت، طلبت تقابلني.

قالت:

— أنا ما مشيتش بإرادتي.

— يعني إيه؟

قالت إن لورينا أبلغتها إن الأسرة لم تعد تحتاج خدماتها، وإن ألفارو أكد لها القرار.

سألتها:

— ليه ما كلمتنيش؟

قالت:

— حاولت. لكن رقمك اللي كان عندي بطل يشتغل، وألفارو قال إنك غيرتي رقمك ومش عايزة حد يزعجك.

ساعتها فهمت إن المسافة اللي كنت فاكرة إنها مجرد سفر اتحولت لحاجز بيني وبين أمي.

رجعت كارمن تساعد أمي مؤقتًا، وبعد أيام بدأت ألاحظ فرقًا واضحًا.

أمي بقت أهدى.

رجعت تسأل عن نباتاتها.

وبدأت تفتكر تفاصيل أكتر.

المواجهة
بعد أسبوع، جمعت ألفارو ولورينا في الصالة.

المحامية كانت موجودة.

حطت قدامهم الأوراق وقالت إن ملكية الفيلا ما زالت باسمي، وإن أي خلاف متعلق بالمستندات أو الأموال لازم يتم التعامل معاه قانونيًا وبالطرق الرسمية.

أخويا اتعصب.

— يعني هتطردي أخوكي؟

قلت:

— أنا مش بطرد حد بسبب خلاف شخصي. لكن أمي لازم تعيش هنا باحترام وأمان، وفلوسها ومصاريفها لازم تكون واضحة.

لورينا قالت:

— إحنا كنا بنخدمها.

أمي، اللي كانت قاعدة جنبي، رفعت رأسها لأول مرة وقالت:

— لأ.

كلنا بصينا لها.

قالت بهدوء:

— أنا كنت بخدمكم.

ألفارو حاول يقاطعها.

لكنها كملت:

— كنت بطبخ وأنضف، وكل ما أقول إني تعبانة، تقولوا الحركة أحسن ليا.

مسكت إيدها.

قالت:

— وأنا صدقتكم.

القرار
بناءً على نصيحة المحامية، اتعاملنا مع كل الأوراق والتحويلات من خلال الإجراءات القانونية المناسبة، من غير تهديدات ولا مواجهات.

أما ألفارو ولورينا، فانتقلوا من الفيلا بعد ترتيب وضعهم بشكل رسمي.

وأنا؟

رفضت الوظيفة اللي كانت هتخليني أسافر من جديد لفترات طويلة.

قبلت وظيفة أقرب، حتى لو كانت أقل في المميزات.

لأن في حاجات الفلوس ما تعوضهاش.

بعد شهرين، دخلت البيت بعد الشغل.

لقيت أمي في الجنينة.

كانت قاعدة على كرسي صغير، قدامها أصيص ورد جديد.

ضحكت وقالت:

— بصي… رجعت أزرع تاني.

قعدت جنبها.

قالت:

— عارفة أكتر حاجة زعلتني؟

قلت:

— إيه؟

— إني كنت فاكرة إنك نسيتي.

حضنتها وقلت:

— عمري.

سكتت شوية، وبعدين ابتسمت:

— على فكرة… العصير اللي كنت بنضفه يوم ما جيتي، أنا اللي كبّيته.

ضحكت لأول مرة من قلبي.

قلت:

— وأنا كنت فاكرة إن دي أسوأ حاجة حصلت في اليوم.

قالت:

— ساعات حاجة صغيرة بتكشف حاجات أكبر بكتير.

بصيت ناحية البيت.

نفس الفيلا.

نفس الحيطان.

لكن الإحساس كان مختلف.

لأن البيت مش مجرد عقد ملكية أو فلوس أو أثاث.

البيت الحقيقي هو المكان اللي الإنسان يعيش فيه وهو حاسس بالأمان والاحترام.

ومن يومها، اتعلمت درس عمره ما فارقني:

الاهتمام مش إنك تبعت فلوس وبس… الاهتمام إنك تفضل قريب، تسأل، تسمع، وتتأكد بنفسك إن الشخص اللي بتحبه بخير.

بقلم الكاتبة أسما السيد– حكايات أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى