
قعدت مريم على الأرض، فكرت تصرخ بس مفيش حد هيسمعها. الخدم كلهم واخدين أجازة إجبارية، والتليفونات مقطوعة، والباب حديد ومتأمن كويس.
وفجأة افتكرت آخر زيارة لجدها للعزبة، لما كان بيمشي في المخزن بحزن، وقبل ما يمشي إداها دلاية فضة على شكل ورقة شجر.
قالها: “ما تقلعيهاش أبداً، ولو في يوم اتحطيتي في ضيقة، دوري على الطوبة الخامسة في الرصة التانية ورا البراميل”.
قامت مريم، زقت الصناديق القديمة، ولقيت البراميل. عدت الطوب، ولما ضغطت على الطوبة الخامسة، سمعت صوت تروس بتتحرك.
جزء من الحيطة اتفتح، ظهر وراه نفق ضيق. العزبة دي كانت بتاعة عيلتها من زمان، وجدها كان حكالها قصص عن الأنفاق اللي كانت بتستخدم أيام زمان، بس هي كانت فاكراها حكايات.
طلعت المفتاح الصغير اللي كان جوه الدلاية، وفتحته. قبل ما تدخل، سمعت صوتهم تاني بره:
— ولو ما مضتش هنعمل إيه؟ — سأل أيمن.
ردت إحسان:
— هنستنى لما تضعف خالص، وبعدين نزور إمضتها ونقول إنها هربت من الفضيحة.
مريم ضغطت على الدلاية في إيدها لحد ما علمت في كفها. مش هترجي حد، ومش هتسيب أرض جدها، والأهم إنها مش هتفضل الست اللي بيضحكوا عليها.
دخلت النفق وقفلت وراها الحيطة.
بعد 7 أيام، طنط إحسان هتفتح الباب وهي مستنية تلاقي واحدة مكسورة، بس اللي هتشوفه في الضلمة هيخليها تصرخ كأنها شافت عذابها بعينها.
#انجي_الخطيب
النور كان خافت جوه النفق، والريحة كانت ريحة تراب قديم وذكريات محبوسة، بس مريم كانت ماشية بثبات غريب، كأن الغضب اللي جواها هو اللي بيحركها مش رجليها اللي كانت بتترعش من الجوع. مريم كانت عارفة إنها لو خرجت، مش ممكن ترجع مريم القديمة، البنت اللي كانت بتصدق الكلمة الحلوة وبترمى نفسها في حضن اللي بيخدعها.
عدت الأيام جوه النفق، مريم اكتشفت إن النفق ده بيفتح على بيت الحارس القديم المهجور في آخر العزبة، والبيت ده كان فيه خزين أكل قديم معلبات ومية، وكأن جدها كان حاسس إن الحيطة دي هيجي يوم وهتكون هي طوق النجاة. في السبع أيام دول، مريم مكنتش بتعيط، كانت بتفتكر كل حركة، كل كدبة، وكل نظرة احتقار شافتها في عين “ريهام” وهي بتدخل بيتها.
يوم الاتنين، الصبح بدري، “طنط إحسان” وأيمن وقفوا قدام باب المخزن، إحسان كانت ماسكة ورقة وقلم، وأيمن كان وشه أصفر وقلقان.
إحسان بصوت واطي ومسموم: “أكيد دلوقتي بقت زي الخيال، ادخل يا أيمن، خلصنا عشان نلحق نلحق ريهام قبل ما تروح المستشفى.”
أيمن فتح القفل بإيد بتترعش، وبمجرد ما الباب اتفتح، دخلوا هما الاتنين بضوء الكشافات، مريم مكنتش موجودة، الأوضة كانت فاضية تماماً، مفيش غير شوية تراب على الأرض. إحسان بصت لأيمن برعب: “فينها؟ فين راحت؟”
أيمن جن جنونه، فضل يلف في المخزن كالمجنون، مفيش أي أثر للهروب، لحد ما وقعت عينه على جزء الحيطة اللي كان مقفول بدقة، صرخ: “دي مفتوحة!”
جريوا ناحية النفق، بس قبل ما يخطوا خطوة واحدة، سمعوا صوت “تكة” باب المخزن الكبير بيتقفل بقوة من بره، والضوء اختفى تماماً لما أيمن وإحسان اتجمدوا في مكانهم.
من ورا الباب، مريم صوتها طلع قوي، ثابت، وما فيهوش ذرة ضعف: “كنتوا فاكرين إن 50 فدان أرض وجدتها من دهب ممكن تخلص بكلمتين يا حماتي؟”
إحسان خبطت على الباب بجنون: “مريم! افتحي يا بت! إنتي عملتي إيه؟”
مريم ضحكت، ضحكة مكنش فيها أي فرحة، بس كان فيها انتصار السنين: “اللي عملته إني بلغت الشرطة من تليفون كان مرمي في بيت الحارس، ووريتهم التوكيلات اللي كنتوا ناويين تزوروها.. والبصمات اللي على عقودكم المضروبة هي اللي هتحبسكم، مش أنا.”
أيمن زعق بصوته كله: “مريم! ريهام حامل! ما تعمليش فينا كدة!”
ردت مريم وهي بتمشي بعيد عن المخزن، وشمس الصبح بدأت تظهر في العزبة، وبتقول لنفسها إن الأرض اللي جدها زرع فيها روحه، مش ممكن تضيع لأشكال زي دول: “ريهام حامل؟ يبقى مبروك، هتلاقيها أكيد مستنياكم في قسم الشرطة.. هي أول واحدة اعترفت بكل حاجة بمجرد ما شافت العساكر، وباعتكم بأرخص تمن عشان تنجي بنفسها.”
مريم مشيت، وسمعت صوت صراخهم بيتعالى ورا الباب، سابتهم في نفس المكان اللي حبسوها فيه، بس الفرق إن المرة دي، الضلمة اللي جوه هي ضلمة مستقبلهم، والشمس اللي بره هي بداية عمرها اللي استردته بكرامتها.
……..
مريم وقفت لحظة قدام باب البيت الكبير، أخدت نفس عميق، الهوا كان فيه ريحة الندى والأرض اللي بقت حرة أخيراً. لفت ضهرها للمخزن اللي صوته مابقاش فيه غير خبط أيمن اليائس على الحديد، وبدأت تمشي في اتجاه البوابة الرئيسية.
على أول طريق العزبة، شافت كشافات عربيات الشرطة بتقرب، وصوت السارينة كان بيقطع سكون الصبح، بيعلن بداية نهاية الإمبراطورية اللي اتبنت على الكدب والخيانة. “المأمور” نزل من العربية، وبص لمريم اللي كانت واقفة بعبايتها المتربة، بس نظرتها كانت أقوى من أي وقت فات.
— الآنسة مريم؟
سألها المأمور وهو بيبص للمخزن اللي صوت الخبط فيه بقى مكتوم.
— أيوه يا فندم، أنا مريم. التليفون اللي بلغتم عليه هو اللي فيه كل التسجيلات اللي بتثبت محاولة الخطف والتزوير، ومفاتيح البيت والتوكيلات المضروبة كلها في الدرج اللي جوه المكتب، خدوا بالكم، أيمن عنده نسخة تانية في الخزنة.
مريم قالت كلماتها وهي بتطلع دلاية ورقة الشجر من رقبتها، بتبص لها وكأنها بتودع جدها وبتقوله “أنا قدرت”. المأمور شاور للعساكر، ودخلوا البيت اللي كان يوم من الأيام “بيتها”. وشافت “ريهام” خارجة من عربية تانية، وشها أبيض كالموت، عينيها جت في عين مريم، فبصت في الأرض بسرعة، ريهام كانت هي الخيط اللي مريم استخدمته عشان تكشف اللعبة؛ عرفت إن طموح ريهام في “ابن أيمن” هو اللي هيخليها تبيع أي حد، فكانت هي أول واحدة اتواصلت معاها وهي جوه بيت الحارس، وفهمتها إن أيمن هيسيبها تواجه المصير لوحدها لو مراته اتنزلت عن الأرض.
ريهام بدموع تماسيح قربت منها:
— مريم.. أنا كنت مضطرة.. هو اللي ضغط عليا..
مريم بصتلها بقرف، ومن غير ولا كلمة، لفت وشها للمأمور وقالت:
— يا فندم، الأرض دي كان جدي شقيان فيها عشان يورثني أنا، مش عشان تتسرق مني. أنا عايزة حقي بالقانون، وعايزة أخرج من البيت ده النهاردة، ومحدش فيهم يقرب مني تاني.
شافت أيمن بيطلع متكلبش، وشه كان ملامحه ممسوحة، أول ما شافها، حاول يصرخ أو يشتم، بس عساكر الأمن المركزي كتفوه بسرعة ودخلوه عربية الترحيلات. طنط إحسان كانت ماشية وراهم بتندب وتصرخ، بس مريم كانت خلاص، صوتهم بقى زي دوشة عربيات معدية، مش مأثر في هدوئها.
ركبت مريم عربية الشرطة عشان تروح القسم تكمل الإجراءات، ومن الشباك، فضلت باصة للأرض اللي بدأت الشمس تطلع عليها، بتلمع كأنها بترحّب بصاحبتها اللي رجعتلها. مريم غمضت عينيها، ولأول مرة من 7 أيام، حست إن جسمها خفيف، وإن السلاسل اللي كانت خانقاها اتفكت للابد. الطريق قدامها طويل، ومعاركها القانونية لسه هتبدأ، بس هي دلوقت بقت عارفة إنها مهما اتحبست في ضلمة، جوه قلبها فيه نور، وجوه إيدها مفتاح يفتح أي باب مقفول.
…….




