
في يوم جمعة، كاميليا كانت بتهز رجليها في الهواء وفرحانة إنها جابت الدرجة النهائية. ضحكتها كانت منورة الدنيا، لدرجة إني حسيت إن الحياة ممكن تتصلح تاني.
وفجأة.. الضحكة دي اختفت.
بصت حواليها بخوف، وقربت مني وهمست بصوت يادوب مسموع:
— “يا جدو، أبوس إيدك.. متبعتش لبابا فلوس تاني.”
بربشت بعيني مش فاهم: “بتقولي إيه يا حبيبتي؟”
— “الفلوس اللي بتبعتها لبابا..” مسكت كمي جامد كأنها بتستنجد بيا.. “أرجوك متبعتش تاني.”
رعشة سكنت جسمي: “يا كاميليا يا بنتي، الفلوس دي عشانك! عشان مدرستك، لبسك، عشان…”
قطعت كلامي وهي بتترعش: “راقبه بس.. شوفه بيروح فين وأنت هتعرف.”
عينيها كان فيها خوف حقيقي، مش خوف أطفال من الضلمة، ده خوف حد شاف حاجة مكنش المفروض يشوفها.
“يا بنتي.. هو بابا ؟ بيعملك حاجة؟”
قبضت إيدها زادت: “مقدرش أقول.. هيزعل مني أوي لو عرف إني قولت. راقبه بس.”
وفجأة قامت وقفت كأنها مقالتش حاجة خطيرة:
“لازم نمشي دلوقتي.. بابا بيتعصب لو تأخرنا.”
### الشك اللي بياكل الروح
روحت يومها البيت وكأن جبل نزل على صدري. كلام “كاميليا” كان بيرن في ودني زي جرس إنذار مش راضي يسكت. معقولة هشام بيعمل حاجة في السر؟ بيلعب قمار؟ متجوز في السر وبيصرف فلوسي على بيته التاني؟ كل السيناريوهات ديت في بالي، بس ولا واحد فيهم كان يفسر الرعب اللي شفته في عين حفيدتي.
تاني يوم، مقدرتش أروح المحل. ركبت عربيتي “الشاهين” القديمة، وركنتها بعيد شوية عن عمارة هشام في التجمع. فضلت مراقبه. نزل في ميعاده، ركب عربيته الفخمة اللي أنا تقريبًا اللي دافع تمنها، وطلع على شغله. فضلت وراه زي ضله. خلص شغله العصر، بس مروحش على البيت. خد طريق الدائري، وبعدها نزل على طريق المنصورية.
مكان مقطوع، كله مزارع وفيلات مهجورة وشوارع ترابية. قلبي بدأ يتقبض. فضل ماشي لحد ما وقف قدام فيلا قديمة سورها عالي جداً، وبوابتها حديد مصدي. زمر مرتين، البوابة اتفتحت بسرعة ودخل.
### الصدمة اللي وقفت الزمن
ركنت عربيتي بعيد، ونزلت أمشي على طراطيف صوابعي. لفيت حوالين سور الفيلا لحد ما لقيت شجرة قديمة فروعها مايلة على السور. زي ما أكون رجعت شاب في العشرينات، مسكت في الفروع واتشعبطت لحد ما قدرت أبص من فوق السور.
الفيلا من جوه كانت كئيبة، حشايش طالعة في كل حتة، وشباك واحد بس في الدور الأرضي منور نور خافت. لمحت هشام واقف جوه الأوضة دي بيكلم حد. دققت النظر.. كان بيكلم ست قاعدة على كرسي متحرك، مدياني ضهرها. كان بيزعق وبيشاور بإيده بعصبية.
فجأة، الست لفت الكرسي عشان تبصله.
الدم هرب من عروقي، وعيني بربشت ألف مرة. مستحيل.. مستحيل!
الشعر الأبيض اللي غطى راسها، والوش اللي شحب وخس النص، مغيروش الملامح اللي حفرتها في قلبي من يوم ما اتولدت.




