
وإحنا واقفين عند أبويا، مسك دراعي جامد ووشوشني يا فندم، أبوك دافعلي عشان فاضي. وقبل ما ألحق أنطق بكلمة، حشر في إيدي مفتاح نحاس وقال لي بنبرة تحذير متروحش البيت.. مهما مين كلمك، ومهما قالوا لك إيه.. روح على وحدة رقم 17 على طريق 9.. دلوقتي حالاًا. في اللحظة دي تليفوني هزر، وظهرت رسالة من أمي على الشاشة تعال البيت لوحدك. أبويا مكنش بقاله خمس دقايق .. أو ده اللي كنت فاكره.
صوت ترانيم الأخيرة كان لسه بيتردد في جو نيوجيرسي التلج. القرايب والجيران كانوا بيتحركوا ببطء على نجيل ، بيتكلموا بصوت واطي، وبيواسونى بكلام من نوعية البقاء لله وشيد حيلك.. الكلام اللي الناس بتقوله لما بتكون عارفة إن مفيش حاجة هتعوض الخسارة.
أمي كانت واقفة جنب العربية السودا بتاعة وإيدها على بقها.
ومراتي، سيليست، كانت ضامة عيالنا الاتنين جنبها.
وأنا كنت واقف هناك بحاول أكون الابن المتماسك اللي الكل مستنيه يشوفه.
قوي.
صلب.
واقف على رجلي.
أبويا، رايموند ميرسر، كان عنده 66 سنة. قالوا إنه جاتله أزمة قلبية في مكتبه قبل ما الإسعاف توقف حتى تحت البيت.
بقالي تلات أيام بختار الورد، وبمضي ورق، وبواسي أمي، ومقنع نفسي إن الحزن هو الحاجة الوحيدة اللي بنمر بيها دلوقتي.
لحد ما الحانوتي
وقفني.
أبوك دافعلي. قالها.
بحملقت فيه دافعلك عشان إيه؟
بص وراه قبل ما يقرب مني أكتر ويقول عشان فاضي.
لثواني، عقلي رفض يستوعب الكلام أبويا .. أنا شفته بنفسي.
ملامح الراجل متهزتش أنت شفت اللي هو كان عايزك تشوفه.
كنت هرجع خطوة لورا من . في جمل بتبقى مستحيلة لدرجة إن عقلك بيرفضها قبل ما حتى تلحق تخاف.
بعدها ضغط بحاجة ساقعة في كف إيدي.. مفتاح نحاس صغير، ومحفور عليه رقم 17.
كرر كلامه تاني متروحش البيت.. مهما مين اتصل بيك، ومهما قالوا لك إيه.. روح لوحدة 17، مخازن طريق 9.. أبوك ساب تعليمات بكده.
أبويا من تلات أيام!
في اللحظة دي تليفوني هزر.
طلعته من جيبي تلقائيًا.
الرسالة كانت من أمي.
تعال البيت لوحدك.
تلات كلمات.
من غير نقطة في الآخر.
من غير يا حبيبي.
من غير أي تفسير.
أمي عمرها ما كانت بتبعت رسائل بالشكل ده، ديما بتكتب رسائل طويلة مليانة تفاصيل، وبتقولي يا حبيبي حتى لو عايزاني بس أعدي أشتري لبن وهي راجعة.
لكنها كانت واقفة على بعد تلاتين متر في جوزها، وبتبعتلي رسالة كأني غريب عنها!
الحانوتي شاف الشاشة، ووشه خطف لونه إياك.. مهما حصل، إياك تروح البيت دلوقتي.
بصيت .
وبعدين لأمي.
وبعدين للمفتاح اللي في إيدي.
هو في إيه بيحصل؟
مد إيده جوه جاكتته وطلع ظرف قديم، اسمي كان مكتوب
عليه بخط إيد أبويا جوليان.
الحانوتي قال هو إداني ده من عشرين سنة.. وقال لي إني هعرف لوحدي الوقت المناسب اللي هسلمك فيه الظرف.
عشرين سنة!
أبويا كان بيخطط لحاجة من قبل ما أكبر وأفهم أصلاً ليه ممكن حد يحتاج خطة بالشكل ده.
بعدها الحانوتي لف ومشي بين الشواهد، كأنه راجل وأخيرًا خلص أمانة تقيلة مكنش حابب يشيلها من الأول.
مروحتش البيت.
قعدت في عربيتي على طرف ركنة ، وفتحت الظرف وإيدي .
جوه كان فيه رسالة قصيرة من أبويا.
مفيش فيها مواساة.. مفيش تفسير.
هو أمر واحد بس
روح لوحدة 17. ثق في الست اللي هتلاقيها مستنياك هناك. ومتروحش البيت لحد ما تفهم السبب.
على ما وصلت لمخازن طريق 9، كان الليل بدأ يليل على السريع. المكان كان عبارة عن مخازن ورا سور سلك، بعد بنزينة وكافيه مقفول، وصف مخازن واطية يافطاتها باهتة.
علم أمريكي صغير كان بيميل مع الهواء جنب المكتب.
وكاميرات المراقبة كانت مغطية البوابة.
وتحت التندة، كانت واقفة ست لابطة جاكت غامق، مستنية وكأنها عرفت عربيتي أول ما ظهرت.
وقبل ما أنطق وأسألها هي مين، رفعت كارنيه في وشي المكتب الفيدرالي للتحقيقات FBI.
ركبي سابت.
قالت لي سيد ميرسر، والدك قال لنا إنك هتيجي لوحدك.
بصيت للمفتاح.
وبعدين لوحدة رقم 17.
باب المخزن كان على بعد خطوات، بس فجأة المسافة دي
حسيتها شبه مستحيلة.
سألتها إيه اللي جوه؟
ملامح السيادة الإيجنت اتشدت وقالت حاجة كافية تشرحلك ليه أبوك كان محتاج فاضي.
في اللحظة دي، تليفوني بدأ يرن.
أمي تاني.
السيادة الإيجنت بصت للشاشة، وبعدين بصت لي وقالت إياك ترد.
ومن وراها، جوه الوحدة رقم 17.. بدأ صوت جهاز يصفر ورا بعضه.
يتبع
القصة كاملة اول التعليق الإضاءة اللي جوه وحدة 17 بدأت ، كأن حد بيحاول يثبتها غصب عن النظام نفسه.
باب المخزن اتفتح شبر زيادة
والصوت اللي طالع من التليفون فضل ثابت، لكن وش أمي على المكالمة كان بيتقطع كأنه إشارة مش مستقرة، مش إنسانة في مكان.
الإيجنت شدتني من دراعي بسرعة
ابعد عن الباب!
لكن رجلي ما اتحركتش.
لأني شفت حاجة جوه.
ممر طويل أبيض مش زي أي مخزن. أقرب لمعمل تحت الأرض. وعلى الجنب، أجهزة متراصة، وأسلاك طالعة داخل جدران.
وفي آخر الممر
كان في كرسي.
وعليه شخص مربوط.
بس قبل ما أركز في ملامحه الشخص رفع رأسه.
وكان
أبويا.
أو اللي شبهه لدرجة مرعبة.
نفس العينين.
نفس الخطوط اللي كنت فاكر إني حفظتها من طفولتي.
لكن في حاجة غلط.
كان فيه علامة دايرة صغيرة محفورة في رقبته، زي ختم.
الإيجنت همست وهي مش مصدقة
ده مستحيل الملف بيقول إنه متوفي بيولوجيًا.
صوت من التليفون دخل في النص، صوت أمي
ده مش أبوك الحقيقي يا جوليان ده
النسخة اللي سايبينها عشان يراقبوك.
نسخة؟!
الراجل المربوط جوه الممر ابتسم فجأة.
بس
الابتسامة ما كانتش إنسانية.
وقال بصوتي أنا تاني
قول له الحقيقة يا سيليست.
الإيجنت بصت على التليفون بسرعة
مين سيليست؟
وفجأة الإشارة انقطعت.
وشاشة أمي سابت سواد تام.
وفي نفس اللحظة، الأبواب الحديد جوه الوحدة 17 اتقفلت مرة واحدة بقوة هزّت الأرض.
والأنوار كلها احمرت.




