
ركبت العربية، وأمي وأختي ورايا، الدنيا كانت ساكتة تماماً في العربية، صوت النفس المكتوم هو الوحيد اللي مسموع. أمي كانت لسه بتبرطم وبتقول دي واحدة قليلة الأدب وعاوزة اللي يربيها، ماتخافش يا مراد، ده محضر هيتلم في دقيقة بكلمتين، لكن نبرة صوتها كانت مهزوزه، والمرة دي الخوف كان مالي عيونها هي كمان.
وصلنا القسم، ريحة المكان كانت تخنق ، ريحة خوف على ريحة قهوة على ريحة تحقيق. دخلنا، وأول ما عيني وقعت عليها، قلبي وقع في رجلي. كانت قاعدة على كرسي خشبي، ملامحها هادية بشكل يرعب، كانت بتكلم المحامي بتاعها بهدوء، ولا كأنها الست اللي كانت من ساعتين في الصالة عندي.
أول ما شافتني، بصتلي نظرة.. نظرة تخليك تتمنى الأرض تنشق وتبلعك. مافيش دموع، مافيش استنجاد، كانت نظرة نهاية. أمي حاولت تفتح بوقها وتزعق، بس الظابط قطعها بصوت جهوري اسكتوا خالص، هنا قانون مش خناقة حواري.
قعدنا قدام الظابط، وبدأ التحقيق. كل سؤال كان بيتسأل كان بيحطنا في زاوية أضيق من اللي قبلها. التقرير الطبي كان واضح ومفصل، وصف كل وكل أثر سيبه إيد أمي وأختي،
واتفاجئت إن أمي وأختي بدأوا يتناقضوا في كلامهم، وأنا.. أنا كنت قاعد مذهول من حالنا. كنا داخلين القسم كأننا أصحاب حق وداخلين نربيها، وخرجنا.. أو بالاخرى ، بقينا في وضع المتهمين اللي حياتهم قدام عيونهم.
أنا قاعد باصص للأرض، سامع أمي وهي بتبكي وبتقول للظابط دي مرات ابني، وسامع مراتي وهي بترد بصوت ثابت زي الحديد ، ومعايا تقرير يثبت إنهم حاولوا ، ومراد.. مراد كان واقف بيتفرج.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي مش بس كرامتها، ده بيتي، وحياتي، بيهم، وحتى رجولتي اللي ضاعت مني وأنا واقف متفرج.
لقتها بصت لامى واختى وقالت بمنتهى الجبروت عارفين كان سبب الخناقه دى ايه
ياترى سبب الخناقه اللى وصلتهم لكده ايه ؟؟؟
الجو في المكتب كان تقيل ومكتوم، الظابط كان بيبص لنا باستغراب بعد ما سمع التقرير الطبي، وفجأة الصمت بصوتها.. صوت كان هادي لكنه كان أقوى من الرعد.
بصت للظابط، وبعدين نقلت عينيها لأمي وأختي اللي كانوا لسه بيحاولوا يمثلوا دور الناس اللي بتجيب حق ابنهم، وقالت
بنبرة فيها مرارة الدنيا عايزين تعرفوا سبب الخناقة اللي خلتهم عليا؟ أنا أقولكم.
سكتت لحظة، كأنها بتجمع قوتها، والكل في المكتب اتسمر مكانه. كملت وهي بتبصلي مباشرة، نظرة خلت يهرب من وشي البيه المحترم اللي واقف ده، اللي أهله جايين يربوني عشان عليت صوتي
حسيت بالأرض بتضيق عليا، أمي حاولت تبرر وتتهته في الكلام، بس كلام مراتي كان زي اللي بيصيب في . الهروب اللي كنت بحاول أعمله من الحقيقة انكشف، والبيت اللي كنت فاكر إني مسيطر فيه، بقى كتاب مفتوح قدام الظابط، وقدام أهلي، وقدام مراتي اللي قررت أخيراً إنها مش هتسكت على دور اللي كنت راسمولها.
خلص التحقيق، والوضع كان أسود من كل النواحي. طلعت من القسم وأنا حاسس إن كل حاجة بتنهار فوق دماغي، والاتهامات بقت محفورة في ملفات القضية. لقيتها واقفة بره على رصيف القسم، لوحدها، بتبص للسما، ملامحها كانت ثابتة بس عيونها بتحكي قصة تانية خالص.
قربت منها بخطوات تقيلة، حاولت أقول أي حاجة، أي مبرر، اسمعيني يا.
قاطعتني قبل ما أكمل، بصتلي ببرود خلاني أتجمد في مكاني. قالت
بصوت واطي بس




