عام

ام تنقذ بنتها حكايات صافي هاني

​سكتّ ثانية، وسمعت صوت شهقاتها وهي مستنية مني كلمة رحمة. أخدت نفس هادي وقلت لها:

“إنتي بتكلميني كأم لأم يا ماجدة؟.. طب فين مشاعر الأمومة دي لما بنتي كانت بتستغيث بيكي وإنتي بتبتسمي في وشها وتقولي لها ‘وقعت لوحدها’؟ فين الإنسانية لما سبتي ابنك يمد إيده عليها ويحبسها ويحرمها من تليفونها؟”

​اتنهدت وكملت بجمود: “إنتي مش بتعيطي ندم على اللي عملتوه في بنتي.. إنتي بتعيطي على الفلوس والمنظرة والجاه اللي راحوا منك. وأنا مبرجعش في معركة بدأتها.. القانون هياخد مجراه لآخر خطوة، واحمدي ربنا إن القضاء عندنا عادل ومش  حد.. اللي هتحصدوه هو اللي زرعتوه بإيديكم.”

​وقبل ما تنطق بكلمة تانية، قفلت السكة في وشها.

​تاني يوم الصبح، كنت لابسة لبسي الميري بالكامل، وواقفة قدام المراية بعدل الياقة والأوسمة. بصيت لملامحي.. ملامح ست شافت كتير، بس عمرها ما انكسرت.

​أمل دخلت عليا الأوضة، كانت لابسة فستان بسيط وجميل، ورجعت تحط ضحكتها اللي بتنور البيت على وشها. قربت مني وظبطت لي الكاب العسكري على راسي وقالت لي بفخر: “جاهزة يا سيادة اللواء؟”

​ابتسمت لها وقلت: “جاهزة يا قلب سيادة اللواء.. يلا بينا.”

​خرجنا مع بعض، ركبنا العربية، وأنا عارفة إننا قفلنا الصفحة دي للأبد. عيلة زهران بقوا مجرد درس وعبرة لكل حد يفتكر إن فلوسه تخمّي عين الحق، وأنا رجعت لحياتي وشغلي، بس بأكبر انتصار حققته في دنيتي كلها.. إن حتة من قلبي رجعت ، سالمة، ورافعة راسها فوق.

مرت الشهور، وبقت القضية دي حديث مجتمع المال والأعمال في مصر، والكل بقوا المثل بنهاية “عيلة زهران” اللي افتكروا إن نفوذهم ملوش سقف. المحكمة العسكرية والمدنية كملوا شغلهم بكل نزاهة؛ “إياد” و”باهر” أخدوا أحكام بالسجن المشدد بتهم  والتربح غير المشروع، والشركات الكبيرة بتاعتهم دخلت تحت الحراسة القضائية لتسديد أموال الدولة.

​أما “ماجدة زهران”، فالناس شافوها أكتر من مرة قاعدة على رصيف المحكمة، بعباية سودا سادة ومن غير أي ألماظ أو براندات، مستنية زيارة ولادها في السجن.. والكسرة اللي في عينها كانت تمن كل لحظة غرور عاشتها.

​في الناحية التانية، الحياة رجعت تنبض من جديد في بيتنا.

​أمل ملقعتش في مكانها؛ بالعكس، خلتها أقوى. بدأت ترجع لشغلها القديم في مجال الديكور، وأسست مكتب صغير خاص بيها. كانت بتنزل من النجمة، ملامحها مليانة حيوية، وعينها فيها لمعة تحدي ونجاح مكنتش موجودة زمان. أمل اتعلمت من أمها إن اللي .. بتصنع أبطال.

​وفي يوم من الأيام..

​كنت قاعدة في مكتبي بالقيادة العسكرية، براجع تقارير مأمورية جديدة، لما الباب خبط ودخل سكرتير المكتب التحية: “تمام يا فندم.. بشمهندسة أمل بره وعايزة تدخل لمعاليكي.”

​ابتسمت وقلت له: “خليها تدخل فوراً.”

​دخلت أمل وهي شايلة في إيدها لوحة هندسية كبيرة ومُجسم لـ مشروع جديد. ملامحها كانت فخر وعزة. حطت الحاجه على المكتت وقالت لي وعينها بتلمع:

“ماما.. أنا كسبت مناقصة تصميم الحي الإداري الجديد للوزارات. المشروع ده كان داخل فيه شركات كبيرة جداً، وبمجهودي وشغلي وتصميمي.. أنا اللي أخدته!”

​قمت من ورا مكتبي، وقفت قدامها وبصيت للوحة، وبعدين بصيت في وشها. أخدتها في طويل قوي، حسيت فيه إن رسالتي كأم كملت على أكمل وجه.

​فكت وبصت للأوسمة اللي على صدري وقالت برقة: “أنا عارفة إن الأوسمة دي أخدتيها عشان بطولاتك في الجيش.. بس بالنسبة لي، إنتي تستاهلي وسام الشرف الأعلى في الأمومة.”

​قلت لها وأنا بمسح دمعة فخر نزلت من عيني بسرعة عشان هيبة البدلة: “وسامي الحقيقي يا أمل.. هو إني أشوفك

واقفة على رجليكي، قوية، وناجحة، ومش خايفة من حد. البدلة دي أنا  لما أطلع معاش قريب.. بس هيبتك إنتي وشرفك هيفضلوا عايشين العمر كله.”

​مسكنا إيد بعض وخرجنا من المكتب، وأنا حاسة براحة نفسية مفيش بعدها. علمت بنتي إن القوة مش بالفلوس ولا بالصوت العالي.. القوة بالحق، والنزاهة، وبإنك متطاطيش راسك لمخلوق طول ما إنتي على حق.

​قصتنا مكنتش مجرد قصة .. دي كانت قصة استرداد كرامة، ودرس لكل فاكر إن ملوش رادع، كتبته “الأم اللواء” ببيادتها العسكرية على وشوش اللي داسوا على قلب بنتها.

مرت السنتين اللي فاضلين لي في الخدمة العسكرية كلمح البصر.

​جه اليوم اللي كنت مستنياه وبخاف منه في نفس الوقت.. يوم حفل إحالتي للتقاعد (المعاش) بعد رحلة طويلة من الشرف والخدمة في القوات المسلحة. القاعة الكبيرة في وزارة الدفاع كانت مليانة قيادات وضباط من كل الأسلحة، والكل واقف بيصقف احتفالاً بمسيرتي.

​قفت على المنصة بكامل هيبتي العسكرية لأخر مرة، ألقيت كلمتي ووجهت التحية لزمايلي وعساكري. وفي قاعة الحضور، كانت عيني مثبتة على أمل.. اللي كانت قاعدة في أول صف، بتصقف وعيونها مليانة دموع فخر، وجنبها مهندس شاب محترم وطيب، ربنا عوضها بيه وبقى شريك حياتها وبيقدر قيمتها بجد.

​لما نزلت من على المنصة، أمل جريت عليا وأخدتني في وقالت لي وهي بتهمس: “مبروك يا سيادة اللواء.. أديتي الرسالة في الخدمة، ودلوقتي جه وقت ترتاحي في .”

​بعد مرور فترة..

​في يوم جمعة هادي، كنت قاعدة في جنينة بيتنا الجديد، لابسة هدوم مدنية مريحة، وبشرب قهوتي الصبح وأنا بقرأ الجرنان. في صفحة الحوادث والقضايا، عيني لمحت خبر صغير في الركن:

​”رفض الاستئناف وتأييد الحكم بالسجن المشدد لمتهمي قضية ‘مجموعة زهران’ بتهم الكسب غير المشروع..”

​بصيت للخبر وابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت الجرنان على الترابيزة. الكاب العسكري والأوسمة بتوعي كانوا محطوطين في برواز إزاز شيك في صالون البيت، شاهدين على تاريخ محفور بالحق والشرف.

​في اللحظة دي، خرجت أمل من باب البيت وهي شايلة بنتها الصغيرة اللي سمتها “فايزة” على اسمي. البنت كانت ممشية إيدها الصغيرة على وشي وبتضحك، وأمل بصتلي وقالت: “يلا يا ماما.. الأكل جهز، وفايزة الصغيرة مش راضية تأكل غير لما تيجي تقعدي جنبها.”

​شيلت حفيدتي في ، وبصيت لأمل ولحياتنا الهادية المستقرة. المعارك الكبيرة بتسيب علامات، بس النهاية دايماً بتكون من نصيب اللي بيمشي سكة الحق.

​عيلة زهران افتكروا في يوم من الأيام إنهم بفلوسهم ونفوذهم يقدروا يكسروا بنت اللواء فايزة المنشاوي، وميعرفوش إن النفوذ بيروح، والفلوس بتتأمم، والغرور بيكسر صاحبه.. لكن الشرف، والكرامة، وهيبة الأمومة المحمية بقوة القانون، بتفضل واقفة زي الجبل، مبتنحنيش أبداً.

4 من 4التالي
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى