عام

ام تنقذ بنتها حكايات صافي هاني

​إياد انهار تماماً، وبص لأمه بصوت مليان لوم ورعب: “مش قلتي لي أمها مجرد ست عسكرية مش هتعمل حاجة قدام فلوسنا؟ أهو بيت خرب بسببك!”

​ماجدة بصت لابنها بغِل وهي مش قادرة تنطق، الوجاهة الاجتماعية اللي عاشت عمرها تبنيها بالفلوس والمنظرة، اتهدت في أقل من عشر دقائق قدام هيبة بدلة ميري وصوت أم مفيش في قلبها رحمة للّي ييجي على ضناها.

​قربت من ، ووطيت على أمل. شيلت الملاية من عليها بالراحة، وسندتها لحد ما وقفت على رجليها. جسمها كان لسه بس النظرة اللي في عينها اتغيرت.. الخوف اختفى، وحل مكانه الأمان الفطري اللي بتديه الأم لبنتها.

​”تقدري تمشي يا قلب أمك؟” سألتها بحنان.

هزت راسها بدموع، بس المرة دي دموع ارتياح: “طول ما إنتي جنبي يا ماما، أقدر أعمل أي حاجة.”

​حاوطت كتفها بدراعي، وبدأنا نتحرك نخرج من الأوضة. وأنا بمر من جنب ماجدة، وقفت ثانية واحدة، وبصيت للحلق الألماظ اللي في ودنها وقلت لها بنبرة هادية جداً:

“اهتموا بالهدوم اللي لابسيرنها دلوقتي كويس.. عشان البدل البراندات والساعات الألماظ دي مش هتشوفوها تاني لفترة طويلة قوي.. النيابة العامة هتوصل كمان شوية، والملفات اللي هتتفتح من بكرة الصبح لشركاتكم.. هتخليكم تتمنوا لو مكنتوش اتولدتوا أصلاً.”

​خرجت من الأوضة وأنا ساندة بنتي، وكل ما نمشي خطوة في ممر المستشفى، العساكر والضباط يوسعوا لنا الطريق التحية العسكرية.

​أول ما طلعنا للهوا بره المستشفى، أمل بصت للسما وأخدت نفس عميق لأول مرة من شهور، كأنها كانت مسجونة وطلعت للنور.

​ركبتها الكنبة اللي ورا في عربيتي القيادية، وقعدت جنبها. مسكت إيدها وبصيت ل سواق العربية: “اطلع بينا على البيت يا ابني.”

​العربية اطلقت في شوارع القاهرة، وأنا ببص من الشباك وعارفة إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ بكرة في المحاكم وفي المكاتب.. بس كنت متأكدة من حاجة واحدة؛ عيلة زهران انتهت، والدرس اللي هيتعلموه مش هينسوه طول ما هم عايشين: إياك تستهين بأم.. خصوصاً لو كانت الأم دي لواء في الجيش.

وصلنا البيت.. البيت القديم بتاعنا اللي ريحة النصر والجدية ماليين كل ركن فيه.

​نزلت أمل وسندتها لحد ما دخلتها أوضتها القديمة، الأوضة اللي سابتها من كام شهر وهي عروسة وفرحانة، ورجعتلها الليلة مكسورة.. بس مش لآخر العمر. غيرت هدومها ونامت في ، ولأول مرة من يوم جوازها أشوف جفونها بتسترخي وتنام نوم عميق من غير ما تتفزع.

​قعدت جنبها على طرف ، مشيت إيدي على شعرها وأنا لسه ببدلتي الميري. النجمتين والنسر اللي على كتفي مكنوش مجرد رتبة، دول كانوا درع الأمان اللي ربنا سخرهولي عشان أحمي بيه حتة من قلبي.

​سبتها ترتاح، وخرجت الصالون. قعدت ورا مكتبي الصغير، شيلت الكاب العسكري وحطيته قدامي، وبدأت أتحرك. المعركة في الميدان خلصت، بس معركة “الإبادة التامة” لنفوذ عيلة زهران كانت لسه بتبتدي.

​طلعت تليفوني، واتصلت بـ “مكتب الرقابة الإدارية”:

“مساء الخير يا فندم، معاكِ اللواء فايزة المنشاوي. عندي ملف كامل ومستندات تخص شركات ‘زهران جروب’ للاستيراد والتصدير والمقاولات.. تلاعب في الجمارك، وتهرب ضريبي، وتسهيل استيلاء على أراضي دولة. الملف هيبقى على مكتبك الساعة تمانية الصبح.”

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى