Uncategorized

حكايات اسما السيد

ولم أكن قد قلت شيئًا بعد… حتى استدارت ياسمين نحوي وأخرجت ورقة مطوية من جيب سترتها.ووو

أخرجت ياسمين الورقة المطوية من جيب سترتها، ونظرت إليّ بعينين تشعان حماسًا وقالت:

— “أدهم، أنا مجهزة الورقة دي من أسبوع.. فيها كل الحاجات اللي ماما زينب بتحبها، وسألت جيرانكم في القافلة الطبية اللي جت هنا زمان عن الأكلات والوصفات الصعيدية اللي نفسي أتعلمها منها.. يلا بينا نبدأ!”

دخلت ياسمين المطبخ القديم، وكان المطبخ بسيطًا للغاية؛ موقد صغير يعمل بأسطوانة غاز قديمة، وبعض الأواني الألومنيوم المرصوصة بعناية فوق رف خشبي متآكل. لم تتردد للحظة، بل بدأت بتنظيف المكان بهمة ونشاط، وكانت تتحدث مع أمي وتسألها عن تفاصيل حياتها في القرية وكأنها تبحث عن كنز مد، فون في ذكريات هذه المرأة العجوز.

أمي كانت تنظر إليّ بين الحين والآخر نظرات عتاب صامتة، نظرات كانت تخترق قلبي كالسحاب، فكل ضحكة تخرج من فم ياسمين كانت بمثابة صفعة على وجه شكّي وظنوني السيئة.

جلسنا جميعًا على حصير قديم في الفناء الترابي لنتناول وجبة عشاء بسيطة للغاية؛ جبن قريش، ومش، وعيش بلدي جاف قامت ياسمين بتسخينه بنفسها على الفرن الطيني بعد أن أصرت على تعلم كيفية إشعاله بالخشب والقش. كانت تأكل بشهية وفرح حقيقي، وتمدح في طعم الأكل البسيط قائلة:

— “عمر اللقمة ما كانت باللي فيها يا أدهم، اللقمة بحلاوة الناس اللي قعدنا معاهم.. وأكل ماما زينب مفيش في حلاوته.”

عندما حلّ الليل، واشتد هدوء القرية ولم يتبقَ سوى صوت صرصار الليل ونسمات الهواء العليلة، طلبت ياسمين من أمي أن تنام بجوارها في الغرفة الصغيرة ذات السقف الصاج. وقبل أن تغلق الباب، التفتت إليّ وقالت بصوت منخفض:

— “أدهم.. أنا مبسوطة جدًا إنك جبتني هنا.. المكان ده فيه بركة وريحة طيبة.. وماما زينب دي نعمة من ربنا.”

تركتني ياسمين ودخلت، وبقيت أنا وحيدًا في الفناء تحت السماء المرصعة بالنجوم. لم أستطع النوم؛ كانت الأفكار تتضارب في رأسي، والشعور بالخزي يثقل صدري. كيف سمحت لأوهام أصدقائي ولعقدة النقص داخلي أن تدفعني لتمثيل هذه المسرحية الهزلية أمام إنسانة بنقاء ياسمين؟ وأمام أمي التي تحملت مشاق الحياة لتجعل مني رجلًا ناجحًا؟

وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، استيقظت على صوت حركة خفيفة تأتي من ناحية المطبخ والفناء.. تصورت أن أمي شعرت بالتعب، فنهضت مسرعًا لأرى ما يحدث، لكنني عندما وصلت إلى باب الفناء، تجمدت في مكاني من الصد، مة مما رأيته..

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى