
لم أقد سيارتي كعادتي. أخبرتها أنها في الصيانة، ثم أخذتها إلى موقف الأتوبيسات.
استقللنا أتوبيسًا قديمًا خارج القاهرة، ثم ركبنا ميكروباص صغير مع أحد أهل القرية، وأخذنا عبر طرق ترابية وحقول واسعة وبيوت ريفية هادئة تحت شمس العصر.
طوال الرحلة كنت أراقب ياسمين بعناية.
الأتوبيس كان مزدحمًا، والحر شديد، والتراب يدخل من الشباك باستمرار… لكنها لم تشتكِ ولو مرة.
كل ما فعلته أنها أخرجت منديلًا ومسحت العرق عن جبيني بلطف ثم ابتسمت. — “المكان اللي إنت جاي منه جميل… فيه راحة غريبة.”
التزمت الصمت.
وفي داخلي قلت: “استني بس لما تشوفي بيت أمي… وساعتها نشوف رأيك هيفضل زي ما هو ولا لأ.”
قبل الرحلة كنت قد اتصلت بأمي وقلت لها: — “يا أمي… البسي أقدم جلابية عندكِ. ولو سألتك ياسمين، قولي لها إن ضهرك بيوجعك، وإن البيت حالته صعبة شوية. اشتكي شوية.”
صمتت أمي طويلًا على الهاتف.
ثم سألتني: — “إنت بتختبر البنت دي يا أدهم؟”
شعرت بالذنب… لكنني أجبت: — “عايز أتأكد بس يا أمي.”
تنهدت وقالت: — “في ناس طيبتهم بتبان من غير اختبارات… لكن طالما ده اللي إنت عايزه، ماشي يا ابني.”
في ذلك العصر، عندما توقف الميكروباص أمام البوابة الخشبية القديمة… بدأ قلبي يخفق بعنف.
كان البيت كما أتذكره تمامًا.
السقف الصاج مائل إلى جانب واحد، والجدران متآكلة من سنين المطر، والفناء الترابي مليء بالقش الجاف، والفلفل الأحمر معلق تحت السقيفة، وقطع القماش المطرزة تتحرك مع الهواء الدافئ.
كانت أمي جالسة على كرسي منخفض قرب الباب، ترتدي جلابية قديمة مزهرة، وظهرها منحني قليلًا، ويداها فوق ركبتيها، وكأن كل حركة تؤلمها.
نظرت إلى ياسمين بطرف عيني.
توقعت أن تتجمد.
توقعت أن أرى خيبة الأمل.
توقعت أن تختفي ابتسامتها بمجرد أن تدرك أن هذا المكان الفقير المتهالك هو المكان الذي جاء منه زوجها المستقبلي.
لكنها لم تتصرف أبدًا كما تخيلت.
في اللحظة التي رأت فيها أمي، رقّ وجهها بابتسامة صادقة. مشت مباشرة نحوها، وانحنت، وأمسكت يدها، وتحدثت معها وكأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات.
— “ماما زينب… أخيرًا قابلتك. أكلتِ حاجة؟ ولسه رجلك بتوجعك؟ تعالى أساعدك.”
وقفت هناك بلا حركة.
حتى أمي نفسها بدت مصدومة، وعيناها امتلأتا بالدموع.
ياسمين لم تنزعج من الفناء الترابي، ولا الجدران المتشققة، ولا رائحة الحطب العالقة في الهواء.
وضعت حقيبتها جانبًا، وشمرت أكمامها، وساعدت أمي على الدخول، ثم سألت أين المطبخ، وإن كان هناك عيش بلدي لتسخنه.




