عام

ابنها رفع حلة الفول

قلتِ بهدوء وانكسار أنا صحيح فقيرة يا بنتي.. بس لسه عقلي في راسي ومخرفتش.
المكان كله سكت. طارق قفل دفتر التوفير بخبطة قوية، وبص لمراته بصه لأول مرة يكون فيها فهم. مكنتش نظرة جوز لمراته، كانت نظرة راجل اكتشف إن فيه حد بيمثل الحنية وهو بيسرق لقمة أمه من قدامها بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
قال بصوت واطي ومرعب وريني التحويلات يا شيرين. شيرين محركتش شعرة إنت بتتكلم بجد؟ إنت هتعمل كدة هنا؟ قدام العيال؟

كأن العيال هما المشكلة.. كأن قلة الأصل مش هي الإهانة.. كأن أرضية المطبخ المكسرة وطبق الفول هما اللي كسفوها مش عملتها السودة. شفتي طارق وهو بيجز على سنانه، والشرر بيطير من عينه.
نادى على ابنه الكبير يا إبراهيم.. خد أخوك ياسين وادخلوا استنوني في الصالة. الواد الكبير وقف متردد، هو كبير كفاية إنه يفهم إن الكبار بيكدبوا لما بيبقوا هاديين زيادة عن اللزوم. ياسين الصغير كان ماسك عربية لعبة وبص لباباه ولأمه ولكِ، وهو مش فاهم حاجة. كنتِ هتطلبي من طارق يسيبهم، بس رجعتِ في كلامك.. لازم العيال يعرفوا الطمع شكله إيه قبل ما يتزوق ويلبس لبس شيك ويدخل حياتهم باسم الأهل.

أول ما العيال خرجوا، شيرين قلعت قناع الكنّة المطيعة اللي كانت لبساه سنين، وقالت بزهق ونفخة عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت محسسني إني اشتريت يخت.. دي مصاريف البيت يا طارق.
طارق بصلها بذهول إنتي بتقولي إيه؟
رفعت راسها لفوق بتبجح، والوش الحقيقي ظهر.. مكنش فيه خوف، كان فيه عناد. وش الست اللي شايفة إنها صاحبة حق لدرجة إنها مابقتش شايفة بشاعة كلامها. قالت بحدة قلت إن أمك مش محتاجة كل الفلوس دي كل شهر! خليك صريح مع نفسك.. كانت هتصرفهم في إيه؟ هتجيب بيهم ملايات حرير

 

ولا جبنة مستوردة؟ دي ست عايشة لوحدها في أوضتين وصالة ومابتخرجش من باب البيت. في حين إننا عندنا عيال، ومظاهر اجتماعية، وتبرعات لذكرى جواز أهلك، ورحلات المدرسة لغات، ونادي..
طارق قاطعها بصوت كأنه طلقة أبويا ميت يا شيرين. الكلمة نزلت عليها زي القلم. شيرين بربشت بعينيها وقالت إنت فاهم قصدي. قال لها لأ.. أنا شكلي مكنتش فاهم حاجة خالص.
كنتِ واقفة جنب البوتاجاز، ساندة بإيدك على الرخامة لأن الدنيا بدأت تلف بيكِ. دخان الفول كان طالع بينكم كأنه شاهد على كل اللي بيحصل. افتكرتِ الشهور اللي فاتت كنتِ بتقسمي الحباية نصين، وتنامي بالشراب والجاكت عشان توفري في فاتورة الكهرباء والغاز، وبتمثلي إن العيش الناشف بتاع الجامع مكفيكي.. وكنتِ بتقولي لنفسك طار

ق ابني مشغول بس قلبه أبيض.
أبيض.. الكلمة دي طلعت ضعيفة أوي دلوقتي.
طارق فتح الدفتر تاني، مش عشان يشوف، لكن عشان يمسك أعصابه لا ينفجـ,ر. سألها وهو باصص في الورق كام يا شيرين؟ سكتت.. والسكوت كان هو الاعتراف. كام يا شيرين؟ انطقي!
نفخت بملل معرفش.. شوية راحوا لحساب البيت، وشوية لمصاريف مدرسة العيال، وشوية لرحلة الجونة عشان مكافأة الشغل بتاعتك مكنتش نزلت، وكان شكلي وحش أوي قدام صحباتي وإحنا بننزل ليفيل الأوتيل..
طارق رفع راسه فجأة رحلة الجونة؟ حدفت إيدها في الهوا يا سيدي جرا إيه! إحنا مابنتكلمش في ملايين، دي قرشين محطوطين لواحدة مكانتش تعرف أصلاً إنهم موجودين!

حسيتِ ببرودة في قلبك اللحظة دي.. مش من قسوتها، إنتي عرفتي قسوتها من أول يوم دخلت فيه مطبخك وبصت لحياتك بقرف. البرودة كانت من نفسك.. لما افتكرتِ إنك كنتِ بتدافعي عنها سنين وتقولي يمكن تعبانة، يمكن بنات البندر طبعهم كدة، ماتظلميهاش يا نادية يا بنتي. لكن الحقيقة إن الأذى كان قاعد معاكِ على نفس الطبلية سنين وهو مستني اللحظة دي.
طارق قام من الكرسي فجأة لدرجة إنه عمل صوت مزعج على الأرض قومي.. هنمشي حالاً. شيرين ضحكت بذهول نعم؟ إحنا لسه واصلين! قلت هنمشي!
إنت مش هتهزقني قدام أمك عشان خاطر الورق الهبل ده..
زعق فيها بصوت سكت ساعة الحيطة إنتي سرقتي أمي! صوته كان بيترعش من الغل. سبتيها عايشة بالمنظر ده وإنتي بتقوليلي كل شهر إنها بتقولك كتر خيرك وتسلم إيدك يا طارق!

هنا نفسك انقطع.. رفعتِ راسك بصدمة قالتلك إيه؟ طارق مقدرش يبص في عينك من الخزي.. كتافه نزلت لتحت وبان عليه الهم كل شهر يا أمي.. كانت بتقولي إنها حولت لك الفلوس. كانت بتقول لي إنك بكيتي من الفرحة أول مرة، وإنك مش عاوزاني أشيل همك، وإنك حلفتيها ماتقوليش قدامي عشان مكنتيش عاوزاني أصرف مبالغ زي دي عليكي..
غمضتِ عينك. المطبخ اختفى من قدامك.. وافتكرتِ كل مكالمة تليفون في السنة اللي فاتت. كل إزيك يا ماما؟ سريعة، وكل رد منك ب الحمد لله يا ضنايا ماتشغلش بالك. كل لحظة كنتِ فاكرة فيها إن بعده عنك ده مشاغل الدنيا، ومكنتيش تعرفي إنه كدبة متفصلة بالمللي من الست اللي واقفة قدامك دلوقتي وبتبصلك بمنتهى البجاحة كأنك إنتي اللي غلطانة.
فتحتِ عينك، لقيتي شيرين بتبصلك بحقد وغل أهو ده اللي كنت خايفة منه، خلط الفلوس بالأهل.. بقيت أنا الشريره

دلوقتي عشان مشيت أمور البيت بذكاء!
كنتِ خلاص هتضحكي.. ضحكة يأس. شيرين سرقت 100 ألف جنيه في الشهر من أم جوزها، ولسه شايفة نفسها ضحية ل مشاعرك المجروحة.
طارق لسه مخلصش كلامه.. ولسه المواجهة في أولها
طارق بصلها بنظرة غريبة، كأنها أول مرة يشوفها على حقيقتها، وقال بصوت خالي من أي مودة إنتي ممشيتيش الأمور بذكاء.. إنتي سرقتيها، نهبتي أمي يا شيرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الكلمة نزلت عليها كأنها صدمة كهرباء، يمكن لأن طارق قفل الباب قدام أي تمثيل أو دلع. شيرين نخرت بتبجح وقالت بحدة ماشي.. أيوة أخدت جزء من الفلوس! لأني عكس أمك، أنا عايشة في الدنيا الحقيقية.. الدنيا اللي كل حاجة فيها بتمن، والمنظر الاجتماعي فيها بيفرق، والعيال محتاجين أكتر من مجرد طبق فول وشوية كلام عن الرضا والصبر.

دي كانت اللحظة اللي طارق انكسر فيها بجد.. مسك ضهر الكرسي بقوة لدرجة إن الخشب طقطق تحت إيده، وقال بصوت واطي ومخيف اطلعي بره مطبخ أمي.
شيرين وقفت مكانها مذهولة.. في ثانية واحدة، استوعبت إن الخناقة اللي كانت فاكرة إنها هتديرها وتسيطر عليها، خرجت عن السيطرة. دي مابقتش ناقرة ونقير بين راجل ومراته هيصالحها بكلمتين أو عزومة بره.. ده كشف حساب لضميرها. طارق واقف في المطبخ اللي شهد جوعه وهو صغير، وافتكر بالمللي يعني إيه تضحية، قبل ما يبقى غني ويشتري راحة باله ويسلم ضميره لغيره.
قالت بصوت فيه هدوء مصطنع يا طارق.. بلاش دراما، متبقاش أوفر. شاور لها على الباب بصباعه خدي العيال وانزلي على العربية.. حالاً.

لثانية واحدة، كنتِ فاكرة إنها هتعاند وتجرب سلاحها القديم؛ جمالها، شياكتها، طريقتها في إنها تبان هي اللي عاقلة ومظلومة.. لكنها شافت وشه وعرفت حاجة إنتي عارفاها كويس طارق مبيطلبش.. طارق بيأمر.
شيرين لفت ومشت من غير ولا كلمة. سمعتي صوت كعب جزمتها الغالي وهو بيخبط في الصالة، وبعدها صوتها وهي بتنادي العيال بنبرة فرحة كدابة. دقيقة والباب اتقفل وراهم. السكوت اللي سابته وراها كان تقيل.. كأن للهوا وزن.
طارق محركش شعرة.. وإنتي كمان. مفيش صوت غير غليان الفول على النار، وصوت موتور الثلاجة القديم وهو بيزيق بتعب. البيت حسيته صغر، بس بقى أنضف.. الكدب ليه ريحة خنقة، ولما بيخرج، النفس بيرجع تاني.

طارق لف وبص لكِ.. كان باين عليه الهدد.. مش عشان جوازه اللي بينهار بس، ده عشان النسخة اللي كان عايش بيها في عالم الأغنياء اتدمرت في مطبخك، وظهر من تحتها الولد الصغير اللي كان بياكل عيش وملح على الطبلية دي ويحلف إنه لما يكبر هيشيلك في عينه.
قال بصوت مبحوح يا أمي.. والكلمة اتقطعت في زوره. هنا مكنش ينفع تمسكي نفسك.. إنتي معيطتيش لما ستات الجامع كانوا بيدولك أكياس مكرونة صدقة. معيطتيش لما كنتِ بتنامي والفرن شغال عشان يدفي الشقة شوية. معيطتيش لما ركبك كانت بتوجعك لدرجة إنك بتقعدي على السرير عشان تلبسي الشراب بإيديكي الاتنين.. لكن ابنك وهو واقف قدامك، تايه كأنه عنده 12 سنة ومهموم كأنه عنده 60؟ ده اللي فتح الجرح بجد.

قعدتِ على الكرسي قبل ما
بص لفوطة المواعين في إيده ثانية طويلة وقال بصوت واطي إنتي إزاي لسه بتحميني من إني أبقى قاسي؟ ابتسمتِ عشان إنت ابني.. وده مش هيبطل يبقى حقيقة حتى لو خذلتني في يوم. دموعه نزلت تاني، مسحها بسرعة وكمل تنشيف الأطباق.
الصبح كان الجو برد أوي.. طارق صحي بدري، وقعد على طبلية المطبخ ومعاه نوتة بيكتب فيها سخان جديد.. سقف الأوضة يتصلح.. طلبات البيت.. تنظيم الحسابات.. مواعيد الدكاترة.. محامي. كان بيكتب كأنه بيبني جسر كان مهدود.
بصيتِ له من قدام البوتاجاز وقلتِ متحولنيش ل مشروع يا طارق. بص لكِ بسرعة ده مش كدة خالص.
ممكن يبقى كدة.. الشعور بالذنب بيخلي الواحد كريم زيادة عن اللزوم في الأول، وبعدين بيزهق. أنا مش عاوزه شهر واحد من الإنقاذ الدرامي، وبعدها سنة تانية من السكوت.

وفي يوم مطير، لقوا علبة سمنة قديمة فيها صور زمان. المطبخ اتقلب متحف لتاريخ أبوهم.
بابا كان فقير؟ إبراهيم سأل بصدمة حقيقية وهو شايف صورة طارق وعنده 9 سنين، هدومه قديمة بس ضحكته مالية وشه قدام تورته معمولة في البيت. طارق كان قاعد على الأرض وساند ضهره على الكنبة، رد قبل ما أتكلم فقير جداً يا إبراهيم.
ياسين بص في صورة تانية وسأل طيب ليه ماما كانت دايماً بتمثل إن الفقراء ناس مش نضاف؟ السؤال نزل كأنه حجر في ترعة هادية. طارق مكدبش ولا زوق الكلام، قال لهم بصدق عشان فيه ناس بيخافوا يبقوا زي الحاجة اللي بيحكموا عليها.. وساعات لما الناس بيبقى معاها فلوس، بيستخدموها غلط عشان يداروا خوفهم. العيال هزوا راسهم، وقبلوا الحقيقة بحتت صغيرة لحد ما يكبروا ويفهموها كلها.

في يوم سبت من شهر مايو، طارق جه لوحده. لابس جينز وقميص عادي، وشايل شنط الخضار والفاكهة في إيده، وباين عليه إنه بدأ يسيب المنظرة بعيد وهو جاي. عملت القهوة، وقعدنا نفصص بسلة سوا زي ما كنا بنفصص الفول زمان. قال لي فجأة يا أمي.. أنا قررت أسيب الشركة الكبيرة.
ده فاجئني أكتر من أي حاجة تانية.
ليه يا ابني؟ بص للبسلة في إيده وقال لأني قضيت سنين بعمل فلوس وسط ناس بيتكلموا عن قيم العيلة وهما سايبين أمهاتهم للمساعدين والسكرتارية. بعد اللي حصل هنا، بقيت بشوف حاجات كنت بسميها عادي. أنا مش عاوزه عيالي يكبروا فاكرين إن الراجل يبقى ناجح لو اشترى 10 بيوت وهو مش عارف أمه بردانة ولا لأ.
المطبخ سكت.. وقلت له وهتعمل إيه؟ ابتسم جالي عرض من شركة أصغر في المنصورة. فلوس أقل، بس وقت أكتر.. وهنقل السكن هناك، هبقى قريب منك ومن العيال. مردتش عليه فوراً لأن عيني دمعت.. والحياة علمتني إن دموع الفرح مش ضعف. هزيت راسي وقلت دي اللي تتسمى حياة يا ابني.

العيد اللي بعده كان مختلف.. مش مثالي، لأن الحياة مش فيلم سينما، والوجع مش بيتمسح بكلمتين. لسه فيه قضايا، ولسه فيه أوقات طارق بيبص لي ب ذنب بيوجعني. ولسه فيه أيام ركبي بتوجعني وبقول يا ريت أبوه كان عايش يشوف ابنه وهو بيرجع لأصله.
لكن.. الشبابيك مابقتش تزيق بالليل من البرد. المخزن مليان. الدفاية جنمب السرير. الحساب فيه فلوس بتدخل باسمي وبمعرفتي. إبراهيم وياسين زينوا الشجرة الكبيرة ومنوروها. الشيخ عبد الحميد جه اتعشى معانا وجاب الكحك تاني، بس المرة دي ك تحلية مش ك نجدة.
ولما طارق رفع غطا حلة الفول ، ابتسم بطريقة
تانية خالص.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى